حين يطرق الضيف المفاجئ أبواب الأرواح

| هدى حرم

لا‭ ‬يأتي‭ ‬كمجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬تقويم،‭ ‬بل‭ ‬يصل‭ ‬إلينا‭ ‬ونحن‭ ‬غافلون،‭ ‬كبقعةٍ‭ ‬خضراء‭ ‬تنبت‭ ‬فجأةً‭ ‬وسط‭ ‬صحراء‭ ‬من‭ ‬الركض‭ ‬اليومي‭ ‬الحثيث‭. ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬“شهرًا”‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فرصةٌ‭ ‬لاسترداد‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬ضجيج‭ ‬العالم،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬يقرر‭ ‬مسافرٌ‭ ‬مرهق‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬حقائبه‭ ‬الثقيلة‭ ‬جانبًا‭ ‬ليتنفس‭ ‬بعمق‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬عام‭.‬

وعوض‭ ‬أن‭ ‬تزدحم‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتُضاء‭ ‬الفوانيس‭ ‬والزينة،‭ ‬وتُهيأ‭ ‬الدار،‭ ‬حري‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نُضيء‭ ‬أعماقنا‭ ‬ونغسل‭ ‬أرواحنا‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬“جرد”‭ ‬صامتة‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭. ‬الاستعداد‭ ‬الحقيقي‭ ‬للشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬المطبخ،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الزوايا‭ ‬المنسية‭ ‬في‭ ‬قلوبنا‭. ‬إن‭ ‬الاستعداد‭ ‬الروحي‭ ‬عملية‭ ‬“تخلٍّ”‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬“تحلٍّ”؛‭ ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬خلفنا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬النور‭ ‬فينا‭.. ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬ما‭ ‬يثقل‭ ‬قلوبنا‭ ‬وأرواحنا،‭ ‬وكأننا‭ ‬نحاول‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬جبل‭ ‬ونحن‭ ‬نحمل‭ ‬صخورًا‭ ‬من‭ ‬الضغائن‭ ‬والقلق‭ ‬التافه‭.‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نصوم‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬لنختبر‭ ‬الجوع،‭ ‬بل‭ ‬لنصمت‭ ‬قليلًا‭ ‬عما‭ ‬حولنا،‭ ‬فنسمع‭ ‬بوضوح‭ ‬ما‭ ‬بداخلنا‭. ‬الصوم‭ ‬هو‭ ‬تمرين‭ ‬احترافي‭ ‬على‭ ‬“السيادة”؛‭ ‬أن‭ ‬تخبر‭ ‬رغباتك‭ ‬أنك‭ ‬أنت‭ ‬القائد،‭ ‬ولست‭ ‬التابع‭ ‬لشهواتك‭ ‬التي‭ ‬قيدتك‭ ‬عامًا‭ ‬إلا‭ ‬شهرًا‭ ‬كسرْتَ‭ ‬فيه‭ ‬قيود‭ ‬المعاصي‭ ‬والذنوب‭. ‬رمضان‭ ‬ليس‭ ‬“ماراثوناً”‭ ‬ننطلق‭ ‬فيه‭ ‬لنصل‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬النهاية‭ ‬ثم‭ ‬نعود‭ ‬لمقاعدنا‭ ‬القديمة‭. ‬إنه‭ ‬يشبه‭ ‬تمامًا‭ ‬عملية‭ ‬“إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬المصنع”‭ ‬لهاتف‭ ‬مثقل‭ ‬بالبيانات‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭.‬

المفاجأة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الساعات‭ ‬التي‭ ‬صمناها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬سنكونه‭ ‬صباح‭ ‬العيد‭. ‬هل‭ ‬سنعاود‭ ‬وضع‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬خلعناها،‭ ‬حول‭ ‬أعناقنا؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬سنصبح‭ ‬أحرارًا‭ ‬أخيرًا،‭ ‬وندرك‭ ‬أن‭ ‬رمضان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬ضيف‭ ‬جاءنا‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬غرة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬“مرآةً”‭ ‬أرتنا‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬فينا‭ ‬وغادرت‭ ‬لتمتحن‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الجمال‭. ‬ ‭*‬كاتبة‭ ‬بحرينية