مُلتقطــات

زلزالُ الأنفس!

| د. جاسم المحاري

يُشار‭ ‬له‭ ‬بالفرصة‭ ‬الذهبية‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬29‭ ‬أو‭ ‬30‭ ‬يومًا‭ ‬–‭ ‬لحين‭ ‬يستقوي‭ ‬فيه‭ ‬الإيمان‭ ‬في‭ ‬العبد‭ ‬ويقترب‭ ‬من‭ ‬ربّ‭ ‬الأرباب‭ ‬المسافات،‭ ‬من‭ ‬بعدما‭ ‬اختصه‭ ‬بفضائل‭ ‬جمّة‭ ‬وخصائص‭ ‬عدّة،‭ ‬جعلته‭ ‬أكثر‭ ‬شهور‭ ‬العام‭ ‬قدسية،‭ ‬لبعدئذٍ‭ ‬تُفتّح‭ ‬إليه‭ ‬أبواب‭ ‬الجِنان‭ ‬وتُغلّق‭ ‬عنه‭ ‬أبواب‭ ‬النّار‭ ‬وتُسلسل‭ ‬فيه‭ ‬بواعث‭ ‬الشيطان‭ ‬وإنعام‭ ‬سكون‭ ‬ليله‭ ‬بالقدر‭ ‬المباركة‭ ‬ونزول‭ ‬خاتم‭ ‬الكتاب،‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬ثواب‭ ‬تلك‭ ‬العمرة‭ ‬المُعادلة‭ ‬للحجّة‭ ‬وتكفير‭ ‬كلّ‭ ‬الخطايا‭ ‬المرتكبة‭ ‬عليه‭ ‬واستجابة‭ ‬الدعاء‭ ‬منه‭ ‬والوفاء‭ ‬بثاني‭ ‬فرائض‭ ‬أركان‭ ‬الإسلام،‭ ‬وسط‭ ‬ساحات‭ ‬عباداته‭ ‬العظيمة‭ ‬بالصيام‭ ‬عن‭ ‬المحرمات‭ - ‬قبل‭ ‬المشروبات‭ ‬والمأكولات‭ ‬–‭ ‬ووصل‭ ‬الرحمات‭ ‬وقيام‭ ‬الليل‭ ‬بالصلوات‭ ‬والنافلات‭ ‬والدعوات‭ ‬وتلاوة‭ ‬الكتاب‭ ‬بالقراءات‭ ‬وإعطاء‭ ‬الصدقات‭ ‬وإطعام‭ ‬ذوي‭ ‬الحاجات‭ ‬وإفشاء‭ ‬التحيات‭ ‬واعتكاف‭ ‬للحسنات‭ ‬على‭ ‬منهاج‭ ‬ابتهال‭ ‬الخالق‭ ‬المتعال‭ ‬تضرعًا‭ ‬بالذكر‭ ‬والتسبيح‭ ‬والخشوع‭ ‬والاستغفار‭. ‬

هذا‭ ‬المنهاج‭ ‬الذي‭ ‬يفتقد‭ ‬الرّياء‭ ‬ظاهرًا‭ ‬وباطنًا‭ ‬–‭ ‬والممتد‭ ‬من‭ ‬29‭ ‬–‭ ‬30‭ ‬يومًا‭ ‬بأوقاته‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬طلوع‭ ‬الفجر‭ ‬إلى‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬–‭ ‬يُشار‭ ‬له‭ ‬بـ‭ ‬“المدرسة”‭ ‬الخالدة‭ ‬التي‭ ‬أنشأها‭ ‬الحقّ‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى‭ ‬بما‭ ‬تفيض‭ ‬فيه‭ ‬بالجوائز‭ ‬وتغصّ‭ ‬بالمكافآت،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬صُيّر‭ ‬الانتظام‭ ‬في‭ ‬صفوفها‭ (‬إجباريًّا‭) ‬على‭ ‬المكلّف‭ ‬القادر‭ ‬البالغ‭ ‬العاقل‭ ‬الذي‭ ‬يستقي‭ ‬الدروس‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬ينابيع‭ ‬الرحمة‭ ‬وخزائن‭ ‬العطف‭ ‬على‭ ‬الفقراء‭ ‬والمساكين‭ ‬والمحتاجين‭ ‬واقتناء‭ ‬الفضائل‭ ‬ومقارعة‭ ‬الشيطان‭ ‬واتقاء‭ ‬الشُّرور‭ ‬وإضعاف‭ (‬سلطان‭ ‬العادة‭) ‬إلى‭ ‬تقوى‭ ‬النفس‭ ‬وقوة‭ ‬الإرادة‭ ‬وانضباط‭ ‬الذَّات‭ ‬ومراس‭ ‬التّحمل‭ ‬وغذاء‭ ‬الصبر‭ ‬–‭ ‬عمليًا‭ - ‬على‭ ‬مشاق‭ ‬الجوع‭ ‬والعطش‭ ‬ومجاهدة‭ ‬النفس‭ ‬وكبح‭ ‬أهوائها‭ ‬ورجم‭ ‬رغباتها‭ ‬وإخلاص‭ ‬النية‭ ‬على‭ ‬الطاعات‭ ‬بالصلاة‭ ‬والقراءة‭ ‬والذِّكر‭ ‬والتسبيح‭ ‬والدعاء‭ ‬والقيام‭ ‬والتهجد‭ ‬والتفكر‭ ‬والتدبر‭.

نافلة‭:  ‬

كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يعوز‭ ‬لحالةٍ‭ ‬كحال‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬–‭ ‬فوضى‭ ‬الروح‭ ‬المليئة‭ ‬بآثار‭ ‬الذنوب‭ ‬وثارات‭ ‬المعاصي‭ ‬–‭ ‬زلزال‭ ‬من‭ ‬الإنابة‭ ‬الصادقة‭ ‬والتوبة‭ ‬النصوح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أنْ‭ ‬يخمدها‭ ‬إلى‭ ‬سبيل‭ ‬طاعة‭ ‬الرحمن‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬وليالي‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬الذي‭ ‬تُسْكَبُ‭ ‬فيه‭ ‬العَبرات‭ ‬وتُقال‭ ‬فيه‭ ‬العثرات‭ ‬وتُعْتَق‭ ‬فيه‭ ‬الرقاب‭ ‬من‭ ‬النار؛‭ ‬اعترافًا‭ ‬بالذنب‭ ‬وإقلاعًا‭ ‬عن‭ ‬الآثام‭ - ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬كزبد‭ ‬البحر‭ - ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬فضيلة‭ ‬تتنزل‭ ‬فيها‭ ‬الرحمات‭ ‬وتُغْفَر‭ ‬السيئات‭ ‬وتُضاعف‭ ‬الحسنات‭ ‬وتُفتّح‭ ‬أبواب‭ ‬الجَنة‭ ‬بخيرات‭ ‬وبركات،‭ ‬وتُغلّق‭ ‬أبواب‭ ‬النار‭ ‬برحائم‭ ‬وفضائل،‭ ‬تزيد‭ ‬منه‭ ‬لباغي‭ ‬الخير‭ ‬وتُضعف‭ ‬لباغي‭ ‬الشر،‭ ‬في‭ ‬مضمار‭ ‬تتسابق‭ ‬الأقوام‭ ‬فيه‭ ‬بالعبادة‭ ‬والطاعة‭ ‬لمرضاته،‭ ‬حتى‭ ‬فاز‭ ‬من‭ ‬سبق‭ ‬منهم‭ ‬وخاب‭ ‬من‭ ‬تخلّف‭ ‬عنهم،‭ ‬بل‭ ‬وفيه‭ ‬يُرحم‭ ‬المرحوم‭ ‬بخيره‭ ‬ويُحرم‭ ‬المحروم‭ ‬من‭ ‬خيره‭!.‬

اَللّهُمَّ‭ ‬اَعِنّا‭ ‬فيهِ‭ ‬عَلى‭ ‬صيامهِ‭ ‬وقيامهِ،‭ ‬وَجَنِّبنا‭ ‬فيهِ‭ ‬مِن‭ ‬هفواتهِ‭ ‬وَآثامِهِ،‭ ‬وَارْزُقنا‭ ‬فيهِ‭ ‬ذكركَ‭ ‬بدوامهِ،‭ ‬بتوفيقك‭ ‬يا‭ ‬هادي‭ ‬المُضِّلينَ‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني