البحرين في مجلس السلام... حضور سياسي برؤية تنموية

| زهير توفيقي

شارك‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬الأول‭ ‬لـ«مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬عُقد‭ ‬أمس‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬واشنطن،‭ ‬بدعوة‭ ‬من‭ ‬فخامة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬وبمشاركة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬الدول‭ ‬وممثلي‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬تحركًا‭ ‬دوليًا‭ ‬منظمًا‭ ‬لإعادة‭ ‬وضع‭ ‬مسار‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬عملية‭.‬

وفي‭ ‬كلمته‭ ‬أمام‭ ‬المجلس،‭ ‬عبّر‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬عن‭ ‬اعتزاز‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بعضويتها‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجلس،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬ليس‭ ‬شعارًا‭ ‬مرحليًا،‭ ‬بل‭ ‬خيار‭ ‬استراتيجي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بأمن‭ ‬الشعوب‭ ‬وتنميتها‭. ‬وأكد‭ ‬جلالته‭ ‬أهمية‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬غزة،‭ ‬وبث‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬شعبها،‭ ‬ووضع‭ ‬أسس‭ ‬سلام‭ ‬حقيقي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬الحقوق‭ ‬المشروعة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬إقامة‭ ‬دولته‭ ‬المستقلة‭ ‬ذات‭ ‬السيادة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬العيش‭ ‬الآمن‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسائر‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الحكيم‭ ‬متكاملًا‭ ‬مع‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬الذي‭ ‬يضطلع‭ ‬به‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬توجيهات‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬حكومية‭ ‬واضحة،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬حضور‭ ‬البحرين‭ ‬الدولي،‭ ‬وتوطيد‭ ‬علاقاتها‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وضمان‭ ‬تنفيذ‭ ‬المبادرات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتنمية‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬الاجتماع‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬أعمق،‭ ‬فإنه‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلًا‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬للملف‭ ‬الفلسطيني‭ - ‬الإسرائيلي؛‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬مؤسسي‭ ‬دائم‭ ‬للحوار‭ ‬والمتابعة‭. ‬فمجلس‭ ‬السلام،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمراره‭ ‬وتفعيل‭ ‬آلياته،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬تنسيق‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬تواكب‭ ‬مسارات‭ ‬التهدئة،‭ ‬وتمنع‭ ‬عودة‭ ‬التصعيد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬البعد‭ ‬السياسي‭. ‬فالمنطقة‭ ‬اليوم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬تعيد‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتحفز‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وتخلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬للشباب،‭ ‬وتعيد‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬التعليم‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬بدل‭ ‬استنزافها‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬الصراع‭. ‬وأي‭ ‬خطة‭ ‬لإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬غزة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أُحسن‭ ‬تصميمها‭ ‬وتنفيذها‭ ‬بشفافية‭ ‬وشراكة‭ ‬دولية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬يعيد‭ ‬دمج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬الإقليمي‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬مشاركة‭ ‬البحرين‭ ‬تمثل‭ ‬تأكيدًا‭ ‬لفهم‭ ‬عميق‭ ‬لهذه‭ ‬المعادلة‭: ‬لا‭ ‬أمن‭ ‬بلا‭ ‬تنمية،‭ ‬ولا‭ ‬تنمية‭ ‬بلا‭ ‬استقرار‭ ‬سياسي‭. ‬فالمملكة،‭ ‬عبر‭ ‬حضورها‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬الدولية،‭ ‬ترسّخ‭ ‬موقعها‭ ‬كشريك‭ ‬موثوق‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬التفاهم،‭ ‬ويدرك‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليومية،‭ ‬ويمنحهم‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬والأمل‭ ‬والكرامة‭.‬

وفي‭ ‬لحظةٍ‭ ‬تاريخية‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬التحديات‭ ‬وتتعاظم‭ ‬فيها‭ ‬مسؤوليات‭ ‬القيادات،‭ ‬تؤكد‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬بقيادة‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬أنها‭ ‬ماضية‭ ‬بثبات‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬السلام،‭ ‬لا‭ ‬باعتباره‭ ‬خيارًا‭ ‬دبلوماسيًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬التزامًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬واستراتيجيًا‭ ‬تجاه‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬فحين‭ ‬تختار‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬منصات‭ ‬صناعة‭ ‬القرار،‭ ‬فإنها‭ ‬تختار‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل،‭ ‬وأن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبلٍ‭ ‬تُستبدل‭ ‬فيه‭ ‬لغة‭ ‬السلاح‭ ‬بلغة‭ ‬التنمية،‭ ‬وتتحول‭ ‬فيه‭ ‬معاناة‭ ‬الشعوب‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬للبناء،‭ ‬ويصبح‭ ‬السلام‭ ‬مشروعًا‭ ‬واقعيًا‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬أمنٍ‭ ‬مستدام‭ ‬وازدهارٍ‭ ‬شامل‭ ‬يعمّ‭ ‬المنطقة‭ ‬بأسرها‭.‬