البيئة كمحفز لإبداع الأستاذ الجامعي
| د. شمسان المناعي
تعد البيئة الجامعية من أهم العوامل المؤثرة في تنمية الإبداع لدى الأستاذ الجامعي، فلا يعتمد الإبداع على القدرات الفردية فقط، بل يتشكل أيضًا من خلال المناخ التنظيمي الذي يعمل من خلاله عضو هيئة التدريس، والجامعات التي توفر بيئة داعمة تقوم على الثقة والحرية الأكاديمية والاستقلالية المهنية تمنح الأستاذ مساحة رائعة لتجريب أساليب تدريس جديدة والانخراط في بحوث مبتكرة وتطوير الممارسات الأكاديمية بعيدًا عن القيود البيروقراطية، ولعلني في هذه المقالة أركز على جوانب إيجابية ومعوقات بالبيئة تحد من إبداع الأستاذ الجامعي، فمن أبرز تلك الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تقدمها البيئة للأستاذ الجامعي ما يأتي: الدعم الإداري والقيادة التحفيزية: حيث إن القيادات الجامعية التي تشجع على المبادات وتقدر الإنجاز العلمي وترفع مستوى الدافعية الداخلية تدفع الأستاذ الجامعي نحو التفكير الخلاق وإنتاج أفكار غير تقليدية، ويزداد هذا الأثر عندما تربط الحوافز المادية والمعنوية بالأداء الإبداعي، من مثل تمويل المشاريع البحثية أو تكريم النخبة من أعضاء هيئة التدريس بين الفينة والأخرى. تشجيع الحرية الأكاديمية للأستاذ الجامعي: وهي من الركائز الأساسية التي تقوم عليها الجامعات المعاصرة، حيث تتيح للأستاذ الجامعي مساحة فكرية وعلمية للتعبير والبحث والتدريس دون قيود غير مبررة، ومما يشجع الحرية الأكاديمية في تعزيز الإبداع المساندة التي يتلقاها عضو هيئة التدريس في التدريب والتجريب والتجديد والبحث العلمي من أجل بناء مناخ جامعي محفز للأستاذ الجامعي، والذي ينقله إلى طلبته فيشجع الحوار، ويتقبل وجهات النظر، ويخلق ثقافة جامعية قائمة على التفكير الحر، ولن تتحقق الحرية الأكاديمية دون الالتزام الأخلاقي والمحافظة على الأنظمة الجامعية والقيم المجتمعية وتحري الموضوعية والدقة العلمية.
المناخ الأكاديمي القائم على التعاون بدلًا من المنافسة: حيث يلعب المناخ الأكاديمي التعاوني مع الزملاء دورًا مهمًّا في توليد الأفكار الجديدة والتفاعل العلمي والعمل ضمن فرق بحثية مختلفة التخصصات، من أجل تبادل الخبرات مع الزملاء بما يخلق بيئة معرفية غنية تعدّ محفزًا رئيسًا للإبداع، كما أن توفر الموارد التقنية والبنية التحتية الحديثة يسهّل لدى عضو هيئة التدريس تطبيق الأفكار الابتكارية وتحويلها إلى ممارسات واقعية. فإذا ما توافرت تلك العوامل الثلاثة الأساسية يمكن تحسين قدرة ومهارة الأستاذ الجامعي في الوصول للإبداع، وتحرص العديد من الجامعات على توفير تلك المقومات، بل وتسعى لتدريب أعضاء هيئة التدريس عليها، ولكن يمكن أن يصبح الإبداع أقل ظهورا لدى بعض أعضاء هيئة التدريس نتيجة انتشار بعض الظواهر والمعوقات في تلك البيئة التي تحد من المهارة الإبداعية لديهم، وأود هنا أن أشير لأهم تلك العوامل للعمل على تلافيها ووضع خطط عملية وعلمية لمعالجتها في تلك البيئة، ومنها ما يأتي:
الضغوط المهنية الأكاديمية غير المبررة والاستخفاف بدور الأستاذ الجامعي للوصول إلى التنمر الأكاديمي عليه: يعمل الأستاذ الجامعي في بيئة يفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل، إلا أن الواقع في بعض الجامعات قد يشهد مجموعة من الضغوط المهنية والاجتماعية التي تعيق أداءه مثل: التنمر الأكاديمي، والقيود التنظيمية، والتحديات المتسارعة المرتبطة بالتغيرات التعليمية والتكنولوجية، وتؤثر فعليا هذه العوامل في الصحة المهنية للأستاذ الجامعي وبما ينعكس على جودة العملية التعليمية والبحثية، ولعلنا نقف عند التنمر الذي يتعرض له الأستاذ الجامعي على وجه الخصوص والذي يظهر من خلال أشكال متعددة، كالتنمر الإداري من خلال فرض أعباء غير عادلة واستبعاد الأستاذ من القرارات الأكاديمية، والتنمر من الزملاء نتيجة المنافسة غير الصحية، والتنمر المهني نتيجة التقليل من الجهد العلمي أو عرقلة الترقيات والفرص البحثية، وكل ذلك يؤثر في دور الأستاذ الجامعي، ويؤدي لانخفاض في رضاه الوظيفي ودافعيته للإنجاز، وارتفاع في مستويات توتره وقد يصل به الحال إلى الاحتراق الوظيفي والانسحاب المهني من المبادرات والتطوير الذاتي أو الإبداع المهني. ضعف الدعم المؤسسي: فعندما لا توفر الجامعة تمويلًا كافيًا للبحوث، ولا تدعم المشاركة في المؤتمرات والتدريب يصبح من الصعب على الأستاذ الجامعي تطوير أفكاره وتحويلها إلى إنتاج علمي مبدع. الأعباء التدريسية والإدارية المرتفعة: يحدث أن يتم تكليف عضو هيئة التدريس بعدد كبير من الساعات التدريسية والأعمال الإدارية بنفس الوقت، ما قد يحد من الوقت المتاح للتفكير العميق والبحث، ويدفع عضو هيئة التدريس للاكتفاء بالتدريس دون البحث عن دافع للتغيير والتجديد. مقاومة التغيير داخل المؤسسة: إن بعض الجامعات تميل للحفاظ على الأنماط التقليدية خوفا من المخاطرة، ما يخلق ثقافة تنظيمية لا تتقبل التجديد بسهولة.وأخيرًا ومن خلال مسيرتي الأكاديمية لسنوات عديدة وخبراتي التدريسية واطلاعي على مشكلات البيئة الجامعية فإنني اقترح لمواكبة التطورات الحديثة ومساعدة الأستاذ الجامعي في تجاوز تلك العقبات والوصول للبيئة الإبداعية القيام بما يلي:
الحرص على أن تكون القيادة الجامعية نفسها مبدعة وداعمة للأستاذ الجامعي وتتسم بالشفافية والإنصاف، ما يسهم في خلق مناخ نفسي آمن. تدريب أعضاء الهيئة التدريسية من خلال برامج تدريبية تعنى بالتنمية البشرية كتطوير مهارات التواصل وضبط الانفعالات وحل النزاعات بطريقة بنّاءة، ويمكن الاستفادة من خبرات أعضاء الهيئة التدريسية القدامى أو المحالين للتقاعد في هذا المجال. تعزيز القيم الجامعية القائمة على التعاون والتنوع والحوار العلمي، ما يحول المنافسة إلى شراكة معرفية ومجتمعية. تبني سياسات مؤسسية واضحة كأن تسعى الجامعات لإيجاد لوائح صريحة تجرّم بعض المعوقات التي تواجه الأستاذ الجامعي كالتنمر بجميع أشكاله، ما يعزز من الشعور بالعدالة التنظيمية. إتاحة مرونة أكبر في تصميم المقررات واعتماد أساليب تقييم مبتكرة وتعميمها على أعضاء هيئة التدريس بنفس التخصص في بقية الجامعات. حماية الاستقلال الفكري للأستاذ الجامعي بما يحمي الأستاذ الجامعي من الضغوط غير الأكاديمية ويشجعه على طرح أفكار جديدة دون خوف. دعم الحوار العلمي المفتوح بين أعضاء هيئة التدريس في نفس التخصص في كل الجامعات بما يعزز تبادل الآراء ويثري الإنتاج المعرفي. الاستفادة من إمكانيات أعضاء هيئة التدريس الذين احيلوا إلى التقاعد من خلال استثمار إمكانياتهم، فهم على الرغم من تقاعدهم إلا أنهم ما زالوا يحتفظون بالعديد من الأفكار الإبداعية التي يمكن الاستفادة منها، ولا يكون ذلك إلا من خلال استشارتهم المستمرة والاعتراف بإنجازاتهم العلمية والتدريسية، وهذا يقتضي جعلهم مستشارين في الجامعات التي عملوا فيها.*كاتب وأكاديمي بحريني