التنوع الثقافي الوطني
| كمال الذيب
إن إنجاز المهمات المصيرية لأي مجتمع يتطلب نهضة ثقافية تعتمد بالدرجة الأولى تغيير العقليات والسلوكيات؛ بهدف تحصين المجتمع ضد كل ما يكرس الانقسام ويعزز - في المقابل - وحدة المجتمع واحتواء تنوعه كمصدر للغنى، وتجاوز الإشكالات الناجمة عن التعصب بجميع أشكاله. وتلعب الثقافة في هذا السياق دورا أساسيا، بالنظر إلى أن هذا الحقل يتميز بقدرته على تجاوز الاستقطاب والانقسام ويبلور وحدة الرؤية وتنوع الإبداع، ويسهم في بناء معادلة الوحدة والتنوع والانفتاح والقبول والتقبل في ذات الوقت، ما يساعد على نشر الديمقراطية الثقافية كأساس للديمقراطية السياسية. لكن التعامل مع هذا الموضوع في الممارسة الحالية في معظم البلاد العربية يشهد ثلاثة مواقف على الأقل. الأول: يقوم على خطاب الوحدة المطلقة للهوية الثقافية الوطنية بشكل قسري واختزالها في مكون واحد من مكوناتها المتنوعة، في محاولة للتوحيد الفوقي. الثاني: يقوم على خطابات تدعو إلى تعميق الاختلاف وتكريس سرديات (عرقية أو مذهبية...) حدية وقاطعة تهدد وحدة المجتمع وتمنع تشكلها. ولو أن الأمر توقف عند النضال من أجل الاعتراف بالتنوع الثقافي، لكان مفهوما، إلا أن هذا الموقف يتخذ في كثير من الأحيان طابعا مستفزا يدعو إلى القطع مع الشركاء في الوطن. الثالث: يقوم على معادلة الوحدة والتنوع معا، مع استلهام قيم الحداثة، من أجل تحقيق التوازن بين التعدد والوحدة، كما هو الأمر في معظم المجتمعات الغربية الديمقراطية، التي دمجت المكونات المختلفة في إطار من الوحدة السياسية والهوية الوطنية العامة، من دون التنكر للتنوع أو طمسه. وهذا ما تطمح إليه بلداننا العربية في إطار السعي لبناء مواطنة متنورة ومتساوية تقبل بالتعدد والتنوع، وتدمجهما ضمن وحدة المجتمع، بما يحقق المواطنة الشاملة، ارتباطا بالثقافة الإنسانية الكونية وبقيم الحداثة التي تشمل العقلانية والحرية، مع بناء التوازن بين الخصوصية الثقافية والارتباط الكوني. وواضح أن الموقف الأول يؤدي إلى الانغلاق والتعصب، والثاني يؤدي بالضرورة إلى الذوبان والتشظي. ولذلك فتعزيز الهوية كأرضية صلبة يتطلب الوعي بالتاريخ واللغة والقيم الثقافية، بما يمنح الفرد الثقة بالنفس التي تمكنه من الانفتاح على الآخر دون عقدة الذوبان في الآخر المختلف مع التعامل مع المشترك الإنساني كجزء مهم وجوهري من هذه الهوية الوطنية.
كاتب وإعلامي بحريني