النفس البشرية بين جرح التاريخ وتاريخ الجرح

| سيد ضياء الموسوي

في فهم تركيبة النفس البشرية، لابد من قراءتها بعمق دون عاطفة أو رومانسية. الإنسان القوي هو الذي لا يرى الحياة إما جنة وإما جحيما؛ هي خليط بين الاثنين، ولا يوجد زمن كان جميلا وزمن كله قبح. تتفاوت طبقات الجمال والقبح وحجم تراكمات الألم والوجع والتحديات. الإنسان هو الإنسان لم يتغير، وإنما تغيرت الطرق وكثافة التعري والفضح. وهناك سؤال وجودي يتكرر؛ إما بكاء على “الزمن الجميل” لما قبل قرن أو أكثر أو أقل، أو مقارنة الإنسان لحاله في ظل عولمة هو ليس بحاجة إليها. والسؤال الذي يتردد: هل الماضي كان أفضل؟ هل كانت أيام البشرية قبل قرن أو أكثر، أكثر رحمة وشفقة وإنسانية ومثالية؟ أنا لا أرى ماضي البشر كان مثاليا، ولا أفضل؛ وإنما الإنسان زاد بطشا بسبب تنوع الفتك وحجم كثافة الرفاهيات ليس أكثر. حتى الكوارث كانت أكثر فتكا. ولننظر بهدوء: في القرن الرابع عشر: الطاعون قتل ثلث أوروبا.

بعد الحرب العالمية الثانية: قُتل الملايين، لكن لم تصل لهذا الحجم، وكان سيد الموقف في القتل هو الإنسان. في القرن السابع عشر: حروب دينية أبادت مدنا كاملة؛ مدن أبيدت بسبب هراء النبش في التاريخ الديني: “أنت كاثوليكي وأنت بروتستانتي”، على طريقة اليوم: “أنت سني، أنت شيعي”. في بعض المذابح الطائفية تمرغت شوارع باريس بالدم. في القرن العشرين: حربان عالميتان قتلتا عشرات الملايين، ثم “هولوكوست”، ثم قنابل نووية على مدن. الاستعمار، العبودية، الإبادات الجماعية كانت “نظاما طبيعيا” عالميا. هذا ما نسميه بالزمن الجميل! إذا قارنا كميا: العنف المنظم بين الدول اليوم أقل من قرون سابقة (رغم وجود بؤر ملتهبة). هذا ليس تقليلا من حجم الدماء التي تسفك، ولكن أريد أن أصل لنتيجة أن طبيعة الإنسان جشع وطماع، ولكن القوي من يخرج من فوضى الإنسان وقساوة القدر وعبثية الحياة بنفس مطمئنة غير معطوبة، وبيقظة روحية، وتوازن نفسي، واستقرار روحي، مع حفاظه على قيمه الإنسانية وسلامه الداخلي.

الإنسان هو الإنسان.. سيد الفساد، الطمع، الأنانية، الحروب. يأتي سؤال مهم: لماذا نشعر أن عصرنا أسوأ؟ لماذا نحن ممزقون عاطفيا، مكسورون قلبيا، مشتتون فكريا، ضائعون في هذا العالم؟ ولماذا ازدادت الأمراض النفسية من اكتئاب وقلق وخوف؟

لثلاثة أسباب: الوعي المتضخم: ترى كل شيء لحظة بلحظة. نحن في مرحلة انكشاف وتعرٍّ كامل للحدث، لذلك نحن مصابون بصدمة وجودية أن هناك كائنا اسمه الإنسان يقوم بكل هذا الشر. بدأنا بسبب الطب نفهم سلوك الإنسان ونضع له عنوانا واسما لاضطرابه ومرضه: “هذا سايكوباث، هذا نرجسي..”. التكنولوجيا ساعدتنا في فضح مكامن وحجم الشر البشري.

فقدان المعنى الجماعي: الماضي كان قاسيا لكنه كان يقدم سرديات كبرى: دين، إمبراطورية، أيديولوجيا. اليوم المعنى متفكك، والفرد وحيد أمام الكون. واليوم مع تفكك الأيديولوجيات - ولو نسبيا - وتذويب القيم، أصبح الإنسان لا منتميا، ويعيش عزلة فردية، وقلق هوية، وضياع بوصلة اجتماعية؛ لذلك يشعر بتراكم قلق رغم الوفرة المادية. العافية النفسية تقوم على أركان منها المال، ولكن ليس وحده المال الذي يشبع النفس البشرية، فلا بد من اكتمال بقية غرف “فندق السعادة الست” ليصل لمرحلة التوازن الذهبي.

تضخم التوقعات: نحن نريد سلاما دائما، عدالة كاملة، ورفاها شاملا. كل خلل يبدو خيانة للحلم الحديث، وهذا خطأ في فهم الحياة وحتى مساراتها وسردياتها. لا يمكن أن تتحقق عدالة كاملة ويتحول ذات يوم البشر إلى ملائكة؛ ما دام الإنسان موجودا سيكون هناك خير وشر. والسؤال: هل العالم عبثي؟

هنا يدخل البعد الفلسفي. رأى الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو أن العالم بلا معنى موضوعي، لكن التمرد الواعي هو أن نعيش رغم ذلك. هو يرى الإنسان هو ذاته “سيزيف” والصخرة؛ يعيش حالة من العبث وكومة أسئلة لا يمكن الإجابة عليها. ولأن هناك تراكم عبث وتكدس ألم وتوحش وجع ينهش الإنسان طيلة قصته على مسرح الحياة، عليه أن يعيش ويستمتع، وأن يخفف من هندسة معرفة أسرار الحياة والإغراق في فهم الموت والكون.. إلخ. عش الحياة بفهم وبساطة؛ لأنك إن أردت أن تكون مهندسا لفهمها ستقع في الجنون. وهنالك فرق بين المدرسة العبثية والمدرسة العدمية؛ فالأولى أكثر واقعية من الثانية. نعم، الحياة فيها عبث، لكن فيها قيم وومضات سعادة لابد أن تعيشها. القوي من يعيش الشغف مهما كان حجم القرف. الإمبراطور والفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس عاش في زمن أوبئة وحروب، وكتب لنفسه: “افعل الخير لأن طبيعتك أن تفعل الخير، لا لأن العالم عادل”. اعتبر ماركوس من أفضل ما أنتجته البشرية من أبنائها؛ عظيم، حكيم، وصاحب نظريات في السلام الداخلي. نعم، كون العالم متوحشا هذا لا يعني أن تصبح متوحشا. إذا كان العالم مضروبا في قيمه، كن أنت صاحب القيم. القوة ليس أن تكون وحشا في زمن الوحوش، بل أن تكون إنسانا في زمن حيونة الإنسان. إذن، الفوضى ليست جديدة، لكن كل جيل يكتشفها كأنه أول من رآها.

هل نحن في أسوأ زمن؟ من ناحية العنف الشامل بين الإمبراطوريات: لا. من ناحية الضجيج النفسي، القلق، التفكك الداخلي: ربما نعم. العالم لم يصبح أكثر شرا بالضرورة، لكنه أصبح أكثر حيونة. حتى أمام سطوة القدر يجب أن تعيش. خلال عامين فقدتُ أمي وأخي عباس قبل سبعة أشهر، وهذا الأسبوع فقدت أخي الأصغر عقيل.. تراكم الوجع. الشموع تارة تستبدل بدموع، وتأتي أسئلة للإنسان.. نعم. الإنسان ينظر للعالم ويقول: “هل هذه هي اللعبة”؟ يتساءل: لماذا شاب للتو في عمر الأربعين يختطف من حديقة الحياة هكذا بشكل خاطف، وللآن لم يجف قبر أخيه؟ تذكرت كما جاءت في رواية “سوناتا لأشباح القدس”: “نحن نخطئ دوما حينما نظنّ أنّ الذين نحبهم معصومون من الموت”. ويحضرني قول الأديب موراكامي: “ليس هناك جدوى من محاولة الفهم، عليك أن تتعايش مع الأمر فحسب، كفكف دموعك، تصالح مع نفسك وتجاوزه”. لكني لكوني مؤمنا بقضاء الله، وعندي “صفر” توقعات من لعبة انقلابات الحياة، وعارفا بأن الحياة يوما تمنحك وردة ويوما خنجرا؛ أعيش الحياة بكلها فرحا وحزنا وبتوازن، وما دام هناك أكسجين هناك لُجَيْن، ومادام هناك ماء هناك ارتواء. العالم لا يقوم على سعادة أبدية، بل على فرح وحزن. العالم دائما كان كومة تناقضات، فلا تقولوا ذاك زمن جميل وهذا زمن قبيح؛ فهو يقوم على كومة تناقضات: (قبح - جمال)، (جشع - تضحية)، (حرب - فن)، (دم - موسيقى). ولأن الحياة في جوهرها قاسية وعبثية، لا بد أن نعيشها، ونفرح ونضحك، ونحن نرمم أوجاعنا وآلامنا. من رواية “الحسون” (The Goldfinch) للكاتبة دونا تارت: “بينما كنت أتأمل اللوحة، قال هوبي بصوت خفيض: الأشياء المحطمة لا تزال تمتلك جمالا، ربما يكون أكثر ديمومة. الحياة يا بني ليست سوى سلسلة من الفقدان، لكن الفن هو الطريقة الوحيدة التي نتمسك بها بما تبقى. لا تحاول أن تعيش حياة كاملة، بل حاول أن تعيش حياة ذات معنى وسط كل هذا الحطام”. يجب ألا نخاف الموت، كما يقول نجيب محفوظ في “أولاد حارتنا”: “الخوف لا يمنع من الموت، ولكنه يمنع من الحياة”. صحيح ربما “أمسى البكاء مبتذلا، ربما لأن الدموع صارت تستحي من نفسها”، لكن رغم تراكم الألم لابد من تزاحم الأمل. وما يدريك لو حللنا البُعد السيكولوجي لبكاء الإنسان على عزيزه الإنسان، لوجدنا أنفسنا نرثي ذواتنا كما قال أديب: “أنتم لا تبكونَ موتاكم، أنتم تبكونكم بعدهم”. هذا مشهد من تراجيديا الإنسان من قرية كونية متشظية حزنا وفراقا.. مقابر وجزء حدائق. ولو عدنا للبحث والمشهد العام للعالم ولجثة البشرية على المسلخ الوجودي المقدس، لتعرت أمامنا أحذية وأودية، ولوجدنا أنه ليس هناك زمن كله جميل وزمن كله قبيح؛ الأزمنة هي هي والإنسان هو الإنسان. إن كل شرّ يختبئ خلفه خير يبحث عن فرصة، والعكس بالعكس. لاحظوا، في نفس القرن الذي شهد “الهولوكوست”، وُجد أيضا أعظم تقدم طبي في التاريخ. وفي زمن الحروب، وُلدت أعظم قصائد الحب.

الخلاصة الصادقة: العالم لم يكن يوما جنة، ولم يكن يوما جحيما خالصا؛ هو مزيج غير مستقر. السؤال الأهم ليس: هل العالم سيئ؟ بل: كيف تعيش أنت بكرامة داخل عالم غير مثالي؟ الإجابة: أن تعيش اللحظة، تحب دون تعلق، تمسك بالحياة رغم العبث. وتلك هي الحقيقة نرددها بوجع ونحن متشبثون بتلابيب الفرح. وجعُ الحياة ليس طارئا؛ إنه اللغةُ السرّية التي تكتب بها الأيامُ سِفرَها في عظامنا. نعم، نستيقظ كلَّ صباح كأننا نرتّب شظايا الأمس، نمسح عن قلوبنا غبار خيبة جديدة، ونمضي.. ونراهن حتى على ابتسامة وردة على شاهد قبر، أو رصيف ملجأ، أو على ارتفاع رموش طفلة نحو الشمس وهي تبحث عن أهلها بين الركام. كأنّ السيرَ فضيلة حتى لو كان الطريق هاوية. وجع الحياة ليس صرخة عالية، بل هو ذاك الصمتُ الذي ينام بين كلمتين، الارتجافة التي لا يراها أحد، والتعبُ الذي لا يجرؤ على البكاء. هو أن تحبّ كثيرا.. فيُقابلك الفراغ. أن تُعطي دفأكَ.. فيصافحك الجليد. أن تُراهن على النور.. فتكتشف أن العتمة كانت طبقات مظلمة لكنها ليست أكثر صدقا من جمال الحياة.

نظنّ أن الألم عارض، ثم نكتشف أنه الرفيقُ الأوفى. نجري منه.. فيجلس داخلنا. نحاربه.. فيكبر بحجم المقاومة. نُسلّم له.. فيبدأ بالتحوّل؛ فالوجع، على قسوته، مُربٍّ خفيّ؛ يجرّدنا من الزوائد، يفضح أوهامنا، ينزع عن أرواحنا الأقنعة الثقيلة. هو النار التي لا تأتي لتحرق فقط، بل لتصهرنا في صورة أصدق. وجعُ الحياة لا يُميت، إنما يعلّمنا كيف نموتُ عن نسخنا القديمة لنحظى بنسخة تعانق الواقعية دون أردية أحلام وردية؛ كيف نغادر سذاجتنا، وكيف نكفّ عن انتظار العالم ليكون أعدل مما هو عليه.

وفي لحظة ما، لا يختفي الألم، لكننا نصير أوسع منه. يصير الوجع نقطة في بحر وعينا، لا بحرا يغرقنا. هناك، بين انكسار وقيام، بين شَغَف يُشعلنا وقَرَف يُطفئنا، نتعلّم أن الحياة ليست وعدا بالسعادة، بل امتحان للمعنى. المعنى للحياة هو ما يجمد الدمع ويعيد الشمع للكنيسة. وجعُ الحياة ليس لعنة كاملة، إنه الباب الضيّق الذي لا يعبره إلا من قرر أن يكون حيّا.. بعمق. لا تبحثوا عن زمن جميل أو تقعوا في خطيئة المقارنة العمياء، مهما قسا الزمن كن حانيا، مهما توحش الألم كن مشفقا، مهما كانت العتمة كن نورا. تفاءل.. احفر.. نقب.. أوجد ثغرة في جدار زنزانة الإنسان. ذات يوم ستجد بعد الحفر سقوط أتربة وحجارة عن آخر ما تبقى من جدار الزنزانة تماسكا؛ سترى طفلا يلعب على الشاطئ يبني قلعته من تراب البحر وهناك قراصنة. العب مع الطفل وارفض أن تبحر مع القرصان؛ القرصان هو شر الإنسان، والطفل هو الإنسان.