ولادة جديدة للقلب
| إبراهيم النهام
يأتي شهر رمضان كل عام ليقدّم للإنسان فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى الداخل، إلى تلك المساحة التي تُهمَل كثيرًا وسط زحام الحياة وضغوطها، فالصيام ليس مجرد فريضة بدنية، بل رحلة روحية عنوانها الأبرز: تنقية النفس من الشوائب والأمراض القلبية التي قد تتسلل دون أن يشعر بها الإنسان، من حسد، وغضب، وكبر، وضيق صدر. يرى الإمام الغزالي أن الصيام “مفتاح لتطهير القلب”، فهو يعلّم الإنسان كيف يقاوم رغباته ويهذّب سلوكه، ما يفتح الباب لمراجعة عميقة للذات. ويشير الدكتور مصطفى محمود إلى أن رمضان “ليس اختبارًا للجوع، بل امتحانًا للإنسان من الداخل”، فالصيام - كما يعبّر - يكشف للمرء نقاط ضعفه وقوة إرادته، ويمكّنه من رؤية نفسه بوضوح أكبر.. ويرى أن الإنسان في رمضان يعيش حالة من الصفاء الذهني تجعله أكثر قدرة على فهم ذاته والتصالح معها، لأن الامتناع عن الملذات اليومية يحرّر القلب من الضوضاء التي تحجبه عن إدراك مبادئه وقيمه الأصيلة. وعلى مستوى علم النفس المعاصر، تشير الأبحاث إلى أن فترات الامتناع والتأمل الذاتي - والتي يوفرها رمضان بامتياز - تمنح الإنسان قدرة أكبر على ضبط الانفعالات وتخفيف التوتر وإعادة تقييم العلاقات بشكل أكثر هدوءًا وموضوعية. وهذا يفسّر شعور الكثيرين بأن رمضان يُعيد إليهم الاتزان الداخلي المفقود. أما المفكر مالك بن نبي فيعتبر اللحظات الروحية الكبرى “فرصًا لإعادة شحن الطاقة الأخلاقية”، وهي فكرة تنسجم تمامًا مع روح رمضان الذي يعيد تشكيل سلوك الإنسان في اتجاه العطاء والتسامح. ومع أن رمضان شهرٌ محدود الزمن، إلا أن أثره لا ينبغي أن يكون كذلك، فالصفحة التي يُنظّفها الإنسان بداخله في هذا الشهر، تستحق أن تبقى نقيّة بعد انتهائه.
ذلك أن التخلّي عن الغضب والحسد، ثم التحلّي بالسماحة واللين، ليست مهمات موسمية، بل مسار بناء يبدأ في رمضان ويستمر لما بعد. وهكذا يصبح رمضان ليس فقط موسم عبادة، بل مختبرًا سنويًا لإعادة اكتشاف الذات، وتصحيح المسار، وإشعال نور جديد في القلب.
كاتب وإعلامي بحريني