الاستعمار الإلكتروني

| صادق أحمد السماهيجي

غرفة صغيرة لا تعدو مساحتها بضعة أمتار، قد تتحكم في مدن وشوارع وضمائر وتوجهات العالم، يكون فيها الإنسان محطة لكشف أسراره، ومعرفة ميوله وطقوسه واهتماماته، أشبه أو تكاد تكون بمجس لنبض المجتمعات والتعرف على طريقة تفكيرهم وتكوين مسح شامل وآخر تفصيلي لدور الأشخاص في جماعاتهم، وما يمكن أن يحققوه، بل وما يمكن أن يتغاضوا عنه، وما يمكن أن يؤثر على طريقة حياتهم اليومية. الأكثر من ذلك أنه يمكن لهذه الغرف “الإلكترونية” أن تتحكم في مصير مجتمع بأكمله، من خلال إدارتها مواقع التواصل الاجتماعي بالطريقة التي تراها في توجيه الأشخاص نحو ما يمكن أن يتصفحوه ويكثفوا التركيز عليه، فبدل أن كان الاستعمار يشمل الاستحواذ على الأراضي والبلدان بالقوة، صار الاستعمار يغزونا فكريًّا وتحت ضغطة زر واحدة في هواتفنا النقالة وأجهزتنا الإلكترونية. بين اختياراتنا وقراراتنا فيما نود أن نشاهد إلكترونياً ونستقي بواسطته معارفنا، وبين ما هو متاح وموجّه لتسليط الضوء عليه من أجل التأثير على تكوين المجتمعات، تكمن الفجوة ويكون الإنسان العادي الحلقة الأضعف في مواجهة هذا التيار الاستعماري الذي يخترق عقولنا ويحاول تبديل وتغيير بعض المبادئ الأخلاقية بأفكار سلبية لا ترقى إلى المستوى، ويمكن أن نصف بعضها بالانحلال الأخلاقي أحيانًا.  ورغم ما يمكن أن يكون بمقدورنا في أن نحدّ من هذه الأمور التي لا  تناسب ذائقتنا وأمزجتنا عن طريق التحكم في بعض “الإعدادات”، إلا أن الوضع يبدو أكثر توسعًا وتأثيرًا على الصغار والناشئة والكبار أيضًا، فضلًا عن موجات من لصوص التلاعب في التقنيات والهاكرز الذين يتربصون ويترصدون لابتزاز الأشخاص وتعمية المجتمعات وتضليلها، والاستفادة من بعض الاختراقات النفسية التي تطال دائرة الصغار. أمام هذا المدّ المتوسع من الفضاءات الإلكترونية الرحبة، واللامتناهية في الشبكة العنكبوتية، وأمام التحديات التي نواجهها من تبعات قد تكون سلبية إذا ما عملنا على تفادي أضرارها، وعملنا على تهيئة المناخ المناسب لردع المتسببين في إثارة مثل هذه الأزمات الإلكترونية، فقد نظم المشرع قوانين الجرائم الإلكترونية، وبرزت على المستوى الاجتماعي لجان الحماية من الأذى المدعومة بشكل رسمي، ويبقى أن يكون الإنسان على دراية بما يدور حوله للحد والقضاء على مخالب التوسع الإلكتروني من تنمر وابتزاز وغيرها.

 

كاتب بحريني