رمضان في مصر.. عالم آخر
| نعمات مدحت
مع بداية العدّ التنازلي لقدوم شهر رمضان المبارك، تغيّرت مصر كلها، وليست القاهرة الفاطمية العريقة فحسب، ارتدت زيّها الرسمي المعتاد منذ أكثر من ألف عام، وبدا الأزهر الشريف وحيّ سيدنا الحسين، إمام الشهداء وسيد الأتقياء، وحيّ السيدة زينب رضي الله عنها وأرضاها، وكل أهل البيت المكرّمين في مصر، وهم يرتدون حلّة الشهر الكريم المباركة. الزينة في كل مكان، المقاهي الشعبية تعيد زهو نفسها بنفسها؛ الفيشاوي ونجيب محفوظ وريش ومقاهي المثقفين في وسط البلد وغيرها، حتى في أحياء القاهرة الجديدة والأقاليم والريف ومساجد المدن العريقة.
كل مكان.. كل مكان بدا وكأنه يولد من جديد، أو وكأنه يعود إلى ما كان عليه قبل أكثر من ألف عام. المآذن القاهرية الشامخة؛ مسجد سيدنا الحسين، والمأذنة المزدوجة للأزهر الشريف، ومسجد أولاد عنان في ميدان رمسيس أعلى المآذن قاطبة، ومسجد محمد علي بقلعة صلاح الدين، ومسجد السيدة عائشة والسيدة سكينة والسيدة نفيسة، وغيرها من مساجد أهل بيت رسول الله الأكرمين المكرمين، بدت وكأنها بُعثت من جديد، في ظل مشيخة الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف المصرية ومختلف الجهات الرسمية والشعبية، التي استكملت استعداداتها لاستقبال شهر رمضان الكريم، أعاده الله علينا وعلى أمة المسلمين أجمعين بالخير والبركات والسلام والصلاح، آمين يا رب العالمين.
رمضان دائمًا في مصر غير. صُنّاع الحلويات الشرقية؛ الكنافة والقطايف والبسبوسة والبقلاوة الشامية والمشبك الدمياطي والهريسة الإسكندرانية، كلها صناعة يدوية حتى بعد هجوم الآلة وأجهزة التصنيع الحديثة، لا مجال للمقارنة بين ما هو يدوي وما هو آلي، الطعم يختلف، الأجواء تختلف، صيانة الصحة العامة والارتقاء بالجودة قطعًا يختلف.
وسط هذه المظاهر الخلابة نجد المنشدين وقراء القرآن الكريم وقد استكملوا استعداداتهم لإحياء أيام وليالي رمضان، بالإضافة طبعًا لتسجيلات المقرئين والمؤذنين العمالقة الذين التقوا ربهم، ولكنهم ما زالوا أحياء بيننا يمتعونا بأصواتهم العبقرية ويذكروننا بماضي أيامنا وريادتنا للعالم الإسلامي، أمثال الشيخ محمد رفعت الذي لقبوه بصوت أذان مغرب رمضان الذي يلي مدفع الإفطار مباشرة، ثم تواشيح الشيخ النقشبندي، والأسرة المصرية متجمعة على موائد الإفطار في البيوت، وتلك المعروفة باسم موائد الرحمن التي تغطي معظم شوارع مصر وأحيائها الشعبية، حيث لا أحد يجوع ولا أحد يبحث عن مائدة إفطار، فقد تأتي المائدة إلى عقر دارك من جار كريم أو عابر سبيل أو جمعية خيرية نذر أعضاؤها أنفسهم لخدمة الناس ابتغاء لوجه الله عز وجل ولا شيء سواه.
هذه هي مصر الرمضانية، وتلك هي ملامح الاستعدادات، وقد تطل علينا من شارع المعز في ساحة الفاطميين، أكبر وأعظم متحف إسلامي مفتوح في العالم، ثم تتجه الكاميرا إلى الأحياء القاهرية المجاورة التي تسخر كل إمكاناتها في خدمة السياح والزوار من كل حدب وصوب، تلبي رغباتهم، تنشر متاجرها العريقة والشهيرة في حي الغورية والموسكي وتحت الربع والصاغة والنحاسين والنحاتين، حيث تنتشر فنون النحت على النحاس والرسم بالخزف والصدف والمشغولات المعدنية المختلفة.
كل ذلك وأكثر يطل علينا حتى قبل رؤية هلال الشهر الفضيل، وقبل أن يطل علينا بسماحته ورحمته ودوام بهجته، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، شهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، شهر رمضان في مصر سهر حتى الفجر؛ ندوات ثقافية، لقاءات وتجمعات عائلية، سرادقات وحلقات ذكر، واحتفالات في كل مكان، حتى الوفاء بالنذور وتقليد العقيقة وفاء بعهد أو احتفاء بمولود.
كل ذلك وأكثر يهبنا من شهر رمضان المبارك، شهر بدر ونصرة المسلمين، شهر الصوم والزكاة والتهجد وقيام الليل، شهر التراحم والتسامح والوفاء بالحقوق، وشهر السيرة الكريمة للرسول وأهله وصحبه أجمعين، ثم هو شهر العمل الصالح والإنتاج والإبداع الإنساني المهيب، ولم يكن أبدًا شهرًا للعطلات المصطنعة أو للكسل أو ترك مصالح الناس للتداعي والتأجيل من دون داعٍ أو هدف نبيل.
وكل عام وبلادنا المباركة بألف خير.