هل “بتكوين” هي الذهب الرقمي؟
| علي البستكي
ما يزال الجدل محتدمًا في الأوساط الاقتصادية والمالية بشأن سؤال يتكرر بقوة في السنوات الأخيرة: هل “بتكوين” هي الذهب الرقمي؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره أبعادًا فلسفية واقتصادية وتاريخية عميقة؛ فالذهب، ذلك الأصل الذي رافق البشرية آلاف السنين، ظل مخزنًا للقيمة وملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات وعدم اليقين. في المقابل، ظهرت “بتكوين” كنتاج مباشر للثورة الرقمية، حاملة معها وعودًا بإعادة تعريف مفهوم المال ودور الملاذات الاستثمارية في العصر الحديث. معضلة التقييم على رغم الاختلاف الجوهري بين الذهب و “بتكوين” من حيث الطبيعة والتكوين، إلا أن كليهما يشتركان في نقطة محورية هي استحالة التقييم التقليدي؛ فالذهب لا يدفع فائدة ولا يوزع أرباحًا، وكذلك “بتكوين”. كلا الأصلين لا يمكن إخضاعه لنماذج التقييم المعتمدة على التدفقات النقدية، بل تستمد قيمتهما من الندرة، والثقة، ودورهما كمخزن للقيمة في فترات القلق الاقتصادي بين التخزين المادي والمخاطر الرقمية. الذهب يتطلب تخزينًا ماديًا وتأمينًا وتكاليف نقل، وهي عوامل تفرض أعباء تشغيلية على المستثمر. في المقابل، تتميز “بتكوين” بسهولة تداولها وانتقالها عبر الحدود، لكنها تواجه نوعًا مختلفًا من المخاطر، أبرزها المخاطر التقنية. وعلى الرغم من أن شبكة “بتكوين” تُعد حاليًا من أكثر الشبكات أمانًا، إلا أن التطور المستقبلي في الخوارزميات المتقدمة والحوسبة الكمية يبقى حاضرًا في النقاشات طويلة الأجل، حتى إن ظل نظريًا في المرحلة الراهنة. قمم تاريخية تعكس القلق العالمي خلال العام الماضي، وامتدادًا حتى ما قبل كتابة هذا المقال، بلغ كل من الذهب و “بتكوين” قممًا تاريخية غير مسبوقة: - “بتكوين” سجلت مستويات تقارب 126 ألف دولار. - الذهب حلّق إلى حدود 5550 دولارًا للأونصة. هذه الارتفاعات لم تكن حدثًا عابرًا، بل جاءت انعكاسًا مباشرًا لتراجع الثقة في العملات الورقية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، واتساع فجوة الديون عالميًا. الدولار الأميركي.. عامل مفصلي يُعد ضعف الدولار الأميركي أحد المفاتيح الرئيسة لفهم العلاقة بين الذهب و “بتكوين”؛ فعلى عكس الاعتقاد السائد، فإن ضعف الدولار ليس بالضرورة عاملًا إيجابيًا لـ “بتكوين”، إذ قد يؤدي إلى تراجع قيمتها الحقيقية عند تقييمها بالعملات الأخرى؛ ما يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى تقليص حيازاتهم والتحول نحو الذهب. في المقابل، يرفع ضعف الدولار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي، وهو عامل، تاريخيًا، داعم لأسعار الذهب بوصفه أداة تحوط فعالة ضد تآكل القوة الشرائية. أما المستثمر الأميركي، ففي مثل هذه الظروف، غالبًا ما يتجه إلى زيادة انكشافه على الأسواق الخارجية والأسهم في الاقتصادات الناشئة بحثًا عن التنويع وتحسين العوائد.
بعد القمم.. هل نحن أمام فرص؟ القراءة العميقة للأسواق تبدأ دائمًا بعد القمم، لا عندها؛ فـ “بتكوين”، بعد تسجيلها قمتها التاريخية، تشهد حاليًا تراجعًا كبيرًا، ما بين مستويات 75 ألف دولار و70 ألف دولار. وعلى رغم هذا الهبوط، نعتقد بأن هذه النطاقات السعرية تمثل فرصًا استثمارية للمستقبل؛ حيث غالبًا ما تتشكل عندها مناطق استقرار تمهّد لعودة التوازن قبل الارتقاء نحو قمم تاريخية جديدة. أما الذهب، فبعد قمته التاريخية، يتراجع حاليًا بنحو 12 % فقط، وهو تراجع محدود مقارنة بحجم الصعود السابق. تاريخيًا، مثل هذه التصحيحات لم تكن إشارات خروج، بل محطات لإعادة بناء المراكز ضمن اتجاه صاعد طويل الأجل. الخلاصة: “بتكوين” ليست بديلًا كاملًا من الذهب، كما أن الذهب ليس خصمًا للأصول الرقمية. نحن أمام مدرستين مختلفتين لمخزن القيمة: -الذهب: تاريخ، استقرار، وملاذ تقليدي. “بتكوين”: ابتكار، مخاطرة أعلى، ورهان على المستقبل. الحكمة الاستثمارية لا تكمن في المفاضلة الحادة بينهما، بل في فهم دور كل أصل داخل المحفظة، وتوقيت الدخول، وإدارة المخاطر بوعي. في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: هل “بتكوين” هي الذهب الرقمي؟ بل: هل يدرك المستثمر أن التصحيحات هي اللغة التي تُصنع بها الفرص؟
* خبير مصرفي بحريني ومستشار اقتصادي