نجاح اقتصادنا ليس رهنا بالمنشآت الكبيرة

| د. إحسان علي بوحليقة

النجاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬تجلبه‭ ‬بالضرورة‭ ‬الشركات‭ ‬الضخمة؛‭ ‬فأحد‭ ‬مستهدفات‭ ‬“رؤية‭ ‬السعودية‭ ‬2030”‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬متنوع‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬جهود‭ ‬شركات‭ ‬لأنها‭ ‬عملاقة‭ ‬وكبيرة‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬“ذكية‭ ‬ومافسة‭ ‬ومبدعة‭ ‬ورائدة”،‭ ‬أما‭ ‬الحجم‭ ‬فقضية‭ ‬جانبية،‭ ‬فكما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الخليجي‭ ‬“الصغير‭ ‬يكبر”‭! ‬والعبرة‭ ‬بما‭ ‬تضيفه‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬صافية‭ (‬Net Value Added‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬صافي‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬الشركة‭ ‬ناقص‭ ‬مدخلات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإهلاك‭. ‬ونمو‭ ‬وتعاظم‭ ‬هذه‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬الصافية‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬منوعا‭ ‬ومنافسا،‭ ‬وهذا‭ ‬التعاظم‭ ‬والنمو‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬التحول‭ ‬اقتصاد‭ ‬الريع‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإنتاج‭.‬

ما‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬منشآت‭ ‬عملاقة‭ ‬وكبيرة‭ ‬تقوم‭ ‬إجمالا‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬ميزة‭ ‬نسبية،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬التنقيب‭ ‬واستخراج‭ ‬وتسويق‭ ‬النفط‭ ‬وصناعة‭ ‬البتروكيماويات‭ ‬السلعية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المنشآت‭ ‬السعودية‭ ‬العملاقة‭ ‬والكبيرة‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬مستقبلها‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الارتقاء‭ ‬بميزتها‭ ‬التنافسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإبداع‭ ‬والاختراع‭ ‬والتطوير؛‭ ‬لذا‭ ‬نجد‭ ‬شركتي‭ ‬أرامكو‭ ‬وسابك‭ ‬تتجهان‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬باتباع‭ ‬أساليب‭ ‬غير‭ ‬مطروقة‭ ‬من‭ ‬قبلهما‭ ‬سويا‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وهي‭ ‬تحويل‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬كيماويات‭.‬

لماذا؟‭ ‬لتوليد‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬القيمة‭. ‬ومثال‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬شركة‭ ‬الكهرباء،‭ ‬تسعى‭ ‬لشراء‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬صغار‭ ‬المولدين،‭ ‬كالمنازل‭ ‬مثلا‭. ‬لماذا‭ ‬تشتري‭ ‬الشركة‭ ‬العملاقة‭ ‬كيلوواطات‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬هنا‭ ‬وهناك؟‭ ‬لرفع‭ ‬كفاءة‭ ‬أداء‭ ‬الشبكة‭ ‬ككل؟‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬المثالين‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الكبيرة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الاستدامة،‭ ‬واستدامتها‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ربحيتها،‭ ‬وربحيتها‭ ‬رهن‭ ‬بأن‭ ‬تبز‭ ‬المنافسين،‭ ‬والمنافسة‭ ‬سرها‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬بتكلفة‭ ‬أقل‭ ‬فتقود‭ ‬سعريا،‭ ‬أو‭ ‬تتفرد‭ ‬فيما‭ ‬تنتج‭ ‬جودة‭ ‬ونوعا‭. ‬إذن،‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬الإبداع‭ ‬والاختراع‭ ‬والتطوير‭ ‬فهي‭ ‬لقيم‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬وليس‭ ‬حجم‭ ‬المنشأة‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬مازال‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬شركات‭ ‬كبيرة‭ ‬حتى‭ ‬تقود‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي،‭ ‬وهذا‭ ‬توجه‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬بالضرورة‭ ‬لأفضل‭ ‬التجارب؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬طبيعة‭ ‬نمو‭ ‬الشركات‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تولد‭ ‬صغيرة‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬ثم‭ ‬تكبر‭ ‬بفعل‭ ‬نجاحها‭ ‬المتواصل،‭ ‬وليس‭ ‬بفعل‭ ‬أنها‭ ‬ولدت‭ ‬ضخمة‭ ‬وكأنها‭ ‬تقول‭ ‬للمنافسين‭ ‬“لا‭ ‬أحد‭ ‬يقرب”‭.‬

وبالتأكيد،‭ ‬لكل‭ ‬قاعدة‭ ‬استثناءات‭ ‬قد‭ ‬تتعلق‭ ‬بأن‭ ‬الفرصة‭ ‬تتطلب‭ ‬زخما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬تكاتف‭ ‬شركاء‭ ‬يملكون‭ ‬التقنية‭ ‬مثلا‭ ‬والقدرة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬محليا‭ ‬وعالميا،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يبقى‭ ‬استثناء‭ ‬وليس‭ ‬القاعدة‭. ‬والأمر‭ ‬كذلك‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬أن‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬أن‭ ‬يتصدر‭ ‬المشهد،‭ ‬وليس‭ ‬الشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬والكبرى‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬بل‭ ‬الشركات‭ ‬كافة،‭ ‬وأن‭ ‬تبقى‭ ‬السوق‭ ‬مرحبة‭ ‬بالداخلين‭ ‬الجدد،‭ ‬ومعظمهم‭ ‬سيكون‭ ‬صغيرا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬فيدخل‭ ‬السوق‭ ‬وينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتاح‭ ‬له‭ ‬الفرصة،‭ ‬كما‭ ‬تتاح‭ ‬لفسيلة‭ ‬حتى‭ ‬تكبر‭ ‬وتترعرع‭ ‬ونتج‭ ‬تمرا‭.‬

وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬منشآت‭ ‬عملاقة‭ ‬ذوت‭ ‬وتلاشت،‭ ‬وعلى‭ ‬النقيض‭ ‬تَعملقت‭ ‬أخرى‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬بالغة‭ ‬الصغر‭ ‬“ولدت‭ ‬في‭ ‬كراجات”‭. ‬والأمثلة‭ ‬هنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعد،‭ ‬وقد‭ ‬تكفي‭ ‬الإشارة‭ ‬للتناقض‭ ‬المعاش‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬شركتين‭: ‬“جنرال‭ ‬إلكتريك”‭ ‬العملاقة‭ ‬وما‭ ‬تعانيه‭ ‬من‭ ‬سقوط‭ ‬رأسي‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يحصنها‭ ‬حجمها‭ ‬منه،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬أثمن‭ ‬شركة‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الآن،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬نجد‭ ‬شركات‭ ‬صغيرة‭ ‬ولدت‭ ‬قبل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬تتربع‭ ‬حاليا‭ ‬كجواهر‭ ‬التاج‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬المال‭ ‬والأعمال‭. ‬وهكذا،‭ ‬لننجح‭ ‬اقتصاديا‭ - ‬وتعريف‭ ‬النجاح‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نحقق‭ ‬مستهدفات‭ ‬“الرؤية‭ ‬2030”‭ - ‬فنحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الإبداع‭ ‬والاختراع‭ ‬والتطوير،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬المنشآت‭.‬

وأختتم‭ ‬بقصة‭ ‬نجاح‭ ‬لشركة‭ ‬سعودية‭ ‬نجحت‭ ‬وكبرت،‭ ‬نأخذ‭ ‬مثلا‭ ‬“نينجا”،‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2022،‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬“وحيدة‭ ‬قرن”‭ ‬خلال‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وتوصف‭ ‬بأنها‭ ‬أسرع‭ ‬الشركات‭ ‬السعودية‭ ‬نموا،‭ ‬ولا‭ ‬تهون‭ ‬شركات‭ ‬مبدعة‭ ‬مثل‭ ‬“تامارا”‭ ‬و‭ ‬“فوديكس”‭ ‬و‭ ‬“سلة”،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭.‬

تصوروا‭ ‬أن‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭ ‬وحيد‭ ‬قرن،‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬وفي‭ ‬فمه‭ ‬معلقة‭ ‬من‭ ‬ذهب،‭ ‬ولكن‭ ‬واصل‭ ‬رحلة‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬“الكراج”‭ ‬إلى‭ ‬التتويج‭ ‬كوحيد‭ ‬قرن،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيحدث‭ ‬لنمو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيحدث‭ ‬لمساهمة‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص؟‭ ‬وفوق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيحدثه‭ ‬توالد‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حراك‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الاستثماري؟‭ ‬أسئلة‭ ‬تبحث‭ ‬بحماسة‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭.‬

 

‭*‬مؤسس‭ ‬مركز‭ ‬جواثا‭ ‬الاستشاري