ألق الأثير.. سلطة الصوت وجوهر المعرفة

| د. بثينة خليفة قاسم

يحتفل العالم في الثالث عشر من فبراير باليوم العالمي للإذاعة، وهي مناسبة للاحتفاء بوسيلة إعلامية صمدت أمام اختبار الزمن والتطور التقني المتسارع، مما يبرهن على أن اللغة المنطوقة تظل أداة قوية للوصول إلى الإدراك البشري والعاطفة. 

عملت الإذاعة لعقود طويلة كأحد الوسائل الأساسية للثقافة، والطريق الرئيس الذي سلكه الناس حول العالم للوصول إلى المعلومات والآفاق العالمية. فمن خلال ترددات البث، تشكلت معايير الحكم وتفسير الأدب والسياسة والفكر بحد ذاته. هذا الاحتفاء يتجاوز كونه رصداً تاريخياً أو تقنياً، ليصبح اعترافاً بالدور الذي لعبته المعلومة الإذاعية في تعزيز الوعي ومحاربة الجهل في مختلف الثقافات والمجتمعات.

تكمن مرونة الإذاعة كصناعة في قدرتها الفريدة على التجريد، فهي وسيلة تحفز الخيال والفكر بطريقة لا تعتمد بشكل كلي على الوسائط البصرية التي تميل غالباً إلى الهيمنة على المحتوى. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الكفاءات الجوهرية التي يجب أن يتحلى بها المذيع للتفاعل بفاعلية مع جمهوره. إن تقديم الذات كمذيع ناجح يتطلب مهارات تمتد إلى ما هو أبعد من جودة الصوت؛ فالمذيع المتمكن يدرك أن صوته هو السمة الأساسية التي يتعرف من خلالها الجمهور عليه. 

وفي غياب المظهر الجسدي أو الأناقة أو الإيماءات، تصبح المعرفة الثقافية هي الأداة الرئيسية لإشراك المستمع وجذبه.

إن الفجوة بين المذيع العابر والمذيع الملهم تكمن في سعة المعرفة، والقدرة على التعبير عن الأفكار بوضوح وتماسك. يمتلك المستمعون حساً نقدياً يسمح لهم بتقييم مستوى ثقافة المذيع من خلال مخارج الحروف، واختيار الكلمات، والقدرة على قيادة الحوار بذكاء وفطنة. وتعد السلامة اللغوية واليقظة الذهنية من المعايير التي تمنح المذيع الشرعية لقيادة الخطاب، والقدرة على إيصال الرسائل التنويرية. وبناءً على ذلك، يتم إعادة تعريف الاستوديو الإذاعي ليكون منبراً للفكر، بدلاً من كونه مكاناً يركز على العرض البصري.

وبرغم صعود وسائل الإعلام الرقمية، والكم الهائل من المعلومات المنقولة عبر الشاشات، تظل خصوصية الإذاعة رفيقاً ثابتاً للفرد في مراحل حياته المختلفة. 

وتظهر الدراسات أن الجاذبية المتأصلة في الصوت تظل ثابتة مقارنة بالمؤثرات البصرية العابرة، لقدرتها على إشراك المستمع بشكل مباشر، مما يمنحه دوراً فاعلاً في بناء ملامح القصة أو التقرير. وفي اليوم العالمي للإذاعة، ندرك دورها كمنارة لحرية التعبير، ومنصة للمثقفين الذين يؤمنون بأن المحتوى الجوهري يجب أن يسبق المظهر، وأن المساهمة الصوتية الصادقة هي التي تترك أثراً دائماً في الذاكرة.

وفي سياق الحديث عن هذا الإرث التنويري، لا يمكن إغفال الدور الريادي الذي لعبته إذاعة البحرين كأول إذاعة في الخليج العربي. فمنذ انطلاقتها عام 1940 بتوجيه من المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (طيب الله ثراه)، كانت ولا تزال منارةً للإبداع وجسراً حضارياً يحمل هوية البحرين إلى العالم.