صحتك في شهر رمضان

| د.سيد محمود القلاف

يمثل شهر رمضان لملايين المسلمين حول العالم فترة من السمو الروحي والترابط المجتمعي. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك الذين يعانون أمراضا مزمنة - مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات الغدة الدرقية - فإن الانتقال إلى الصيام من الفجر حتى الغروب يفرض تحديا لوجستيا معقدا، حيث ينبع التساؤل حول كيفية متابعة السيطرة على الأمراض المزمنة أثناء الصيام، وكيف يمكن المحافظة على المستويات العلاجية للدواء بينما تتقلص نافذة تناوله إلى ساعات قليلة؟ فالصيام خلال رمضان ليس مجرد تخط للوجبات؛ فهو يمثل تحولا كبيرا في الإيقاعات الأيضية اليومية وإيقاعات الساعة البيولوجية في الجسم ووظائفه المختلفة؛ فبالنسبة للأفراد الذين يعانون أمراضا مزمنة، يمكن أن يؤثر هذا التحول على كيفية معالجة الجسم للدواء، وكيفية التحكم في حالتهم الصحية، وعلى مستوى خطر تعرضهم للمضاعفات. تشير الأبحاث إلى أن غالبية كبيرة من المسلمين الذين يعانون أمراضا مزمنة لا يزالون يصومون. على سبيل المثال، تظهر الدراسات أن ما يقارب 86 % من مرضى السكري من النوع الثاني و43 % من مرضى السكري من النوع الأول يختارون الصيام خلال رمضان. هذه الرغبة القوية في المشاركة في الشهر الكريم تعني أنه يجب على مقدمي الرعاية الصحية والمرضى العمل معا لوضع خطط آمنة وفردية. إن التنقل بين الصيام والعلاج يتطلب ما هو أكثر من مجرد الإرادة؛ إنه يتطلب نهجا طبيا استراتيجيا لضمان ألا يتحول شهر العبادة والرحمة إلى فترة مضاعفات ومشكلات صحية، ويُعد تحقيق التوازن بين الالتزام الديني والحفاظ على السلامة الصحية أمرا ضروريا، بل وممكنا، عند اتباع الإرشادات الطبية المناسبة. وتؤكد التعاليم الإسلامية على حفظ النفس، وقد أُبيحت رخص الإفطار لمن قد يتضرر صيامهم صحيا. ومع ذلك، يمكن للعديد من المرضى الصيام بأمان عند تعديل العلاج تحت إشراف طبي. 

جميع المرضى من ذوي الأمراض المزمنة يجب عليهم استشارة الطبيب قبل شهر رمضان المبارك بفترة كافية، ولكن هناك فئات رئيسة تحتاج إلى رعاية طبية خاصة، وهم مرضى الكبد، ومرضى السكري، ومرضى الصرع، ومرضى ارتفاع ضغط الدم، وكذلك الحوامل والمرضعات. وأهم المحاور التي يجب مناقشتها مع الطبيب لضمان صيام آمن: - تقييم القدرة على الصيام: التأكد من أن الوضع الصحي الحالي يسمح بالامتناع عن الطعام والشراب. - تعديل خطة العلاج: إعادة جدولة جرعات الأدوية لتتناسب مع أوقات الإفطار والسحور. - الفحوصات اليومية: وضع جدول لمراقبة العلامات الحيوية مثل السكر، وضغط الدم، ومعدل ضربات القلب. - خطة الطوارئ: التعرف على الأعراض الخطيرة التي تستدعي كسر الصيام وإبلاغ الطبيب فورا. - الإرشادات الغذائية: الحصول على نصائح لتجنب التداخلات الدوائية مع الطعام أو حدوث مضاعفات. - تغيير نمط الحياة: اعتبار رمضان بداية لتبني عادات صحية تساعد في السيطرة على المرض وعلاجه. وهناك نصائح خاصة لكل فئة من أصحاب الأمراض المزمنة. فعلى سبيل المثال يجب على مرضى السكري تأخير السحور، وتوزيع الدواء بين الإفطار والسحور، وتجنب الأطعمة الغنية بالسعرات التي ترفع السكر بشكل حاد. أما مرضى ارتفاع ضغط الدم فيجب عليهم تجنب الأطعمة المالحة، وتقليل الشاي والقهوة، والالتزام بمواعيد الأدوية، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس. وأما مرضى الكلى فيجب عليهم تجنب تناول كميات كبيرة من البروتينات (النباتية والحيوانية) لمنع إجهاد الكلى، والابتعاد عن المشروبات الغنية بالأملاح. وأما مرضى القولون فيجب عليهم الحرص على تناول الطعام مسلوقا أو مشويا، والابتعاد عن المقليات، والمخللات، والأطعمة الدسمة، والمشروبات الحمضية.