حماية المستهلك في البحرين: الواقع والتحديات والمسؤولية المشتركة
| خالد عبدالله المرباطي
لم تكن حماية المستهلك مفهومًا طارئًا، بل أصلًا راسخًا في التجربة الإسلامية. فقد أرسى النبي محمد ﷺ قواعد واضحة لرقابة الأسواق، قائمة على منع الغش والاحتكار، وتحقيق العدالة بين الناس. وكان ﷺ يباشر التفتيش بنفسه على الأسواق، ويعيّن ولاة عليها مثل سوق مكة، واضعًا بذلك الأسس الأولى لما عُرف لاحقًا بـ«نظام الحسبة»، الذي جمع بين الرقابة الأخلاقية والتنظيمية لحماية المجتمع والمستهلك. جمعية حماية المستهلك في البحرين… ولادة متعثرة مع اتساع الأسواق البحرينية منذ الثمانينيات، وتنوع السلع، برزت الحاجة إلى جمعية أهلية لحماية المستهلك من الغش وارتفاع الأسعار وتدني الجودة. غير أن مسار التأسيس اتسم بجدل طويل، أبدت خلاله غرفة تجارة وصناعة البحرين والتجار ترحيبًا شكليًا بالفكرة، بينما فُرضت عمليًا سلسلة من الشروط والتحفظات التي قيّدت دور الجمعية وحدّت من فاعليتها. فعلى الرغم من شكاوى الجمهور المتكررة من الغلاء والغش وضعف الجودة، دافع التجار وغرفتهم عن أنفسهم بإرجاع الأسباب إلى عوامل خارجية كبلدان المنشأ وتكاليف الشحن، دون تحمّل مسؤولية مباشرة تجاه السوق المحلي. وعند مناقشة صلاحيات الجمعية، تحركت الغرفة لتقييد دورها، فرفضت أن يكون لها أي دور في تحديد الأسعار، أو اتخاذ قرارات تنفيذية، أو التدخل الفعلي في السوق، وحصرت مهامها في التوعية فقط. كما بالغت الغرفة في التخوف من تشويه سمعة التجار، وسعت إلى تضمين عقوبات على الجمعية نفسها إذا أخطأت بحق تاجر، في مقابل غياب اهتمام مماثل بحماية المستهلك من الضرر الفعلي. وأُثيرت مخاوف من ارتباط الجمعية بمنظمة دولية، وكأن حماية المستهلك تمثل تهديدًا للتجار أو للسيادة الاقتصادية. هذا النهج التحفظي، القائم على الخوف من الرقابة والمساءلة، أسهم في تعطيل تأسيس الجمعية لسنوات، رغم الحاجة الملحّة لها. ورغم ذلك، تأسست جمعية حماية المستهلك رسميًا عام 2002، وكان لها في سنواتها الأولى دور ملموس في توعية المستهلكين، وإثارة قضايا الغلاء والغش التجاري، والحضور في النقاش العام، خصوصًا في المواسم الاستهلاكية الحساسة. إلا أن هذا الدور تراجع تدريجيًا، حتى خفت صوت الجمعية في السنوات الأخيرة، وأصبح حضورها وتأثيرها غير ملموس، في وقت تتزايد فيه تعقيدات السوق وتحديات الاستهلاك. تجربة إسطنبول… نموذج مختلف في صيف عام 2004، تم ابتعاثي إلى غرفة تجارة إسطنبول لنقل خبراتهم إلى غرفة تجارة وصناعة البحرين. وهناك بدا الفارق واضحًا في فهم دور الغرف التجارية. ففي التجربة التركية، تُعد الغرف شريكًا فاعلًا في حماية المستهلك، لا خصمًا له؛ إذ تعزز الممارسات التجارية العادلة، وتنشر الوعي بحقوق المستهلك، وتراقب جودة السلع، وتتلقى الشكاوى وتتابعها، وتسهم في تطوير القوانين والمعايير، إضافة إلى دعم استقرار السلع الأساسية في السوق، ضمن تنسيق وثيق مع الجهات الحكومية. غير أن نقل هذا التوجه إلى غرفة تجارة وصناعة البحرين قوبل برفض صريح من الإدارة التنفيذية، التي عبّرت بوضوح عن موقفها بقولها: «نحن دورنا حماية التاجر وليس المستهلك». وهو موقف يكشف عن فجوة عميقة في فهم الدور الحقيقي للغرف التجارية، ويعكس عقلية ترى في حماية المستهلك تهديدًا للتاجر، لا عنصرًا أساسيًا لضمان سوق عادل ومستدام. دور إدارة حماية المستهلك في المقابل، تضطلع إدارة حماية المستهلك بوزارة الصناعة والتجارة بدور رقابي وتنظيمي في تطبيق قانون حماية المستهلك. وخلال الأعوام 2023 و2024 و2025، باشرت الإدارة أكثر من 21 ألف شكوى، شملت قطاعات متعددة أبرزها الأجهزة الكهربائية والمركبات والمواد الغذائية والخدمات. وتمت معالجة غالبية الشكاوى ضمن مدد زمنية محددة، عبر الحلول الودية أو الإجراءات القانونية، مع إحالة عدد منها إلى النيابة العامة. كما أسفرت الحملات التفتيشية عن تسجيل آلاف المخالفات المتعلقة بعدم عرض الأسعار أو اختلافها، في مؤشر على استمرار الحاجة إلى الرقابة. ورغم اعتماد البحرين نهج الاقتصاد الحر وترك التسعير لآليات العرض والطلب، تؤكد الوزارة تدخلها عند الضرورة لمكافحة الاحتكار وضبط أي ارتفاع غير مبرر في أسعار السلع الأساسية. اليوم العالمي لحماية المستهلك… قضية عالمية عالميًّا، يأتي اليوم العالمي لحقوق المستهلك لعام 2026 تحت شعار «منتجات آمنة، مستهلكون واثقون»، في ظل تحديات متزايدة تتعلق بسلامة المنتجات، خصوصًا في الأسواق الرقمية. وتشير تقارير دولية إلى أن نسبة كبيرة من المنتجات المسحوبة أو المحظورة لا تزال متاحة عبر الإنترنت، ما يهدد صحة المستهلك وثقته، ويؤكد أن حماية المستهلك لم تعد شأنًا محليًا، بل قضية عالمية تمس الجميع.
* مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين