البحرين بين التحديات والآمال.. قراءة واقعية ومسؤولة في اقتصاد المستقبل

| عبدالنبي الشعلة

من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬الإشارات‭ ‬المتكررة‭ ‬إلى‭ ‬التباطؤ‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬وإلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬الأرقام‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعجز‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬الميزانيات‭ ‬السنوية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬الديون‭ ‬العامة،‭ ‬وتراجع‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتماني‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬تأكيده‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬القلق‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تشاؤم‭ ‬أو‭ ‬انكسار،‭ ‬وأن‭ ‬وضعنا‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الأوسع‭ ‬للأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭.‬

بلا‭ ‬شك،‭ ‬الحكومة‭ ‬تتحمل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬والمالية‭ ‬العامة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬نعانيه‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬فريدة‭ ‬أو‭ ‬مستحيلة‭ ‬الحدوث،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتكرر‭ ‬لدى‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬واجهت‭ ‬تحديات‭ ‬مشابهة‭ ‬واستطاعت‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬أقوى‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬ما‭ ‬كسادًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬أو‭ ‬عجزًا‭ ‬متكررًا‭ ‬في‭ ‬ميزانيتها‭ ‬أو‭ ‬دينًا‭ ‬مرتفعًا،‭ ‬وقد‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬إلى‭ ‬هبوط‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬أو‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬التمويل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬حافل‭ ‬أيضًا‭ ‬بقصص‭ ‬تعافٍ‭ ‬ونجاحات‭ ‬بعد‭ ‬أزمات‭ ‬خانقة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬درسًا‭ ‬مهمًا‭ ‬لنا‭.‬

لنأخذ‭ ‬مثالًا‭ ‬مختصرًا‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬مرت‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬هناك‭ ‬بأزمات‭ ‬عنيفة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات‭ (‬1997‭ - ‬1998‭) ‬وتضمنت‭ ‬انهيارات‭ ‬في‭ ‬العملات،‭ ‬وتعثّر‭ ‬بنوك،‭ ‬وانكماشًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬كانت‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭ ‬“نمور‭ ‬آسيا”‭. ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬هزة‭ ‬قصيرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لقدرة‭ ‬اقتصادات‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الصمود‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬سببها‭ ‬تراكم‭ ‬الديون،‭ ‬وانهيار‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول،‭ ‬والاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي؛‭ ‬ما‭ ‬استدعى‭ ‬تدخلات‭ ‬دولية‭ ‬وتعديلات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬لم‭ ‬تستسلم‭ ‬للأزمة؛‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الإصلاح،‭ ‬وراكمت‭ ‬خبرات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬ووظّفت‭ ‬مواردها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬قطاعات‭ ‬جديدة‭. ‬اليوم‭ ‬أصبحت‭ ‬اقتصادات‭ ‬مثل‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وإندونيسيا،‭ ‬والفلبين،‭ ‬وفيتنام،‭ ‬وماليزيا،‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصاعدة‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬وتُسهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعالمي‭.‬

الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬في‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ‭ ‬“الكساد‭ ‬الكبير”‭ (‬1929‭ - ‬1939‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬انهارت‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وأغلقت‭ ‬آلاف‭ ‬المصارف،‭ ‬وبلغ‭ ‬معدل‭ ‬البطالة‭ ‬ذروته،‭ ‬لكن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عاد‭ ‬للنهوض‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬عبر‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬وتحفيزات‭ ‬مدروسة‭.‬

هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬التقلبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليست‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬السياسات،‭ ‬ولتنفيذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭.‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحديثة‭ ‬تحمل‭ ‬رسائل‭ ‬مختلطة‭ ‬بين‭ ‬تحديات‭ ‬وفرص‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬مرتفعًا،‭ ‬وأن‭ ‬نسبة‭ ‬الدين‭ ‬الحكومي‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية،‭ ‬فوق‭ ‬130‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬المعدلات‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تكلفة‭ ‬التمويل‭ ‬والديون‭ ‬عبئًا‭ ‬ماليًا‭ ‬واضحًا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وكالات‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتماني‭ ‬أبقت‭ ‬على‭ ‬تصنيف‭ ‬المملكة‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬منخفضة‭ ‬نظرًا‭ ‬لضغوط‭ ‬التمويل‭ ‬والتحديات‭ ‬الهيكلية‭.  ‬

لكن‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬هناك‭ ‬توقعات‭ ‬إيجابية‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬المقبلة؛‭ ‬فبحسب‭ ‬تقارير‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬وتقديرات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يسجّل‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الحقيقي‭ ‬نموًا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬معدل‭ ‬3‭.‬3‭ % ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ (‬2026‭)‬،‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬توسّع‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬غير‭ ‬النفطي،‭ ‬مثل‭ ‬السياحة‭ ‬والمالية،‭ ‬واستكمال‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للمصافي‭ ‬والمشروعات‭ ‬الاقتصادية‭.  ‬

هذا‭ ‬النمو‭ ‬المتوقع‭ ‬يعطي‭ ‬إشارة‭ ‬مهمّة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬ركود‭ ‬أو‭ ‬انكماش‭ ‬دائم،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬ولو‭ ‬بوتيرة‭ ‬متدرجة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬استمرار‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬تنافسية‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬القاعدة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬فقط‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬عضو‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬اقتصادات‭ ‬متنوعة‭ ‬وقوة‭ ‬مالية‭ ‬وصلابة‭ ‬نسبية‭. ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬والكويت‭ ‬وقطر‭ ‬تمتلك‭ ‬قطاعات‭ ‬غير‭ ‬نفطية‭ ‬نشطة‭ ‬وقوة‭ ‬احتياط‭ ‬نقدي‭ ‬عالية،‭ ‬ويتيح‭ ‬هذا‭ ‬الانتماء‭ ‬فرص‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادي‭ ‬واستثماري‭ ‬تعزز‭ ‬إمكانات‭ ‬النمو‭ ‬والتعافي‭. ‬وليس‭ ‬خفيًا‭ ‬دور‭ ‬برامج‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬التنسيق‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭.‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي،‭ ‬تظل‭ ‬آفاق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬إيجابية‭ ‬نسبيًا،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬بنمو‭ ‬عالمي‭ ‬بمعدل‭ ‬يقارب‭ ‬3‭.‬3‭ % ‬في‭ ‬العام‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬والتأقلم‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.  ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬التشاؤم‭ ‬والمزايدات،‭ ‬بل‭ ‬قراءة‭ ‬واقعية‭ ‬للتحديات،‭ ‬وتبني‭ ‬سياسة‭ ‬إصلاحية‭ ‬متدرجة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الواعدة‭ ‬مثل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والسياحة‭ ‬والمالية‭. ‬وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬صانعو‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬بأزمات‭ ‬وخرجت‭ ‬منها‭ ‬بقوة،‭ ‬عبر‭ ‬تخفيض‭ ‬العجز،‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الديون،‭ ‬وتشجيع‭ ‬النمو‭ ‬الخاص،‭ ‬وتنمية‭ ‬مهارات‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬البحرين‭ ‬اقتصاديًا،‭ ‬فإن‭ ‬الآفاق‭ ‬تبقى‭ ‬مشرقة‭ ‬طالما‭ ‬هناك‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬حقيقية،‭ ‬وجهود‭ ‬مؤسسية‭ ‬متضافرة،‭ ‬وثقة‭ ‬للمجتمع‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬إن‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬إقليمية‭ ‬قوية،‭ ‬والتوجه‭ ‬نحو‭ ‬اقتصاد‭ ‬متنوع‭ ‬ومستدام،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجًا‭ ‬قويًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصعاب‭ ‬وتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬مستدام‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬رفاهية‭ ‬المواطنين‭.‬