ليبيا... رحيل الخصم الجدلي

| د. بثينة خليفة قاسم

أثار مقتل سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان ردود فعل متباينة تجاوزت حدود المنطقة، في حدث وصفه المجلس الرئاسي بالاغتيال. ويمثل هذا التطور نهاية لعنصر أحدث انقسامًا حادًا في الإطار العام للعملية الانتخابية الرئاسية المتعثرة والمعقدة؛ ما يفرض على مختلف الفاعلين وأصحاب المصلحة، داخل ليبيا وخارجها، قراءة المشهد السياسي الديناميكي والملتبس تحت ظروف مستجدة وغير مألوفة.

من الناحية الإجرائية، يرى فاعلون كثر أن غياب نجل القذافي قد يمثل حلًا يزيل “العائق القانوني والسياسي الذي استُخدم مرارًا لتبرير حالة القوة القاهرة وعرقلة المسار الانتخابي”. فمنذ تقديم أوراق ترشحه في سبها عام 2021، تحول سيف الإسلام إلى شخصية خلافية بامتياز، فبينما اعتبره البعض مخرجًا من الأزمة الليبية المتشابكة، رأى فيه آخرون خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه. وقد انعكست هذه التباينات انقسامًا عميقًا داخل مجلس الأمن، بين الولايات المتحدة التي طالبت بملاحقته، وروسيا التي تطلعت إلى دوره المحتمل في توازن القوى. ومع ذلك، وبالنظر إلى عمق الأزمة الليبية، يبدو الافتراض بأن غيابه سيفتح الطريق تلقائيًا أمام العملية الانتخابية نوعًا من التفاؤل المفرط.

إن جوهر الأزمة ليس صراع أفراد، بل هو صراع بنيوي للسيطرة على السلطة والموارد، تتوسطه أطراف مسلحة وتتقاطع فيه مصالح دولية. ويشير الانقسام بين الشرق والغرب، بالتوازي مع استفادة أطراف عدة من حالة الجمود الراهنة، إلى أن ملف سيف الإسلام لم يكن سوى جزء من ذرائع متعددة استُخدمت لإعاقة التقدم نحو الديمقراطية.

تواجه ليبيا حاليًا حزمة من الاحتمالات، فمن جهة، قد يؤدي هذا الاغتيال إلى فك الارتباط النهائي مع الحقبة السياسية المرتبطة بسلالة القذافي، ما قد يقلل مستوى الحساسية الدولية تجاه الملف الانتخابي. وعلى الجانب الآخر، يبرز خطر أن يؤدي الحادث إلى إعادة إشعال النزاع الأهلي أو إشاعة حالة من اليأس السياسي لدى الفصائل الموالية للنظام السابق، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية في المناطق ذات الثقل القبلي والمحلي.

تؤكد القراءة الموضوعية أن استقرار ليبيا لا يتوقف على حضور أو غياب شخصية بعينها، بقدر ما يرتكز على بناء توافق وطني ينهي انقسام المؤسسات.

إن الانتخابات التي تعثرت بسبب انخراط سيف الإسلام، قد يستمر تعثرها في غيابه، طالما ظلت القوى الفاعلة على الأرض تجني ثمار الجمود الحالي، وطالما استمرت ليبيا كساحة لاختبار إعادة التموضع الاستراتيجي الدولي.

كاتبة وأكاديمية بحرينية