الأب وفن إدارة الأزمات

| إبراهيم النهام

في‭ ‬خضم‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة‭ ‬وتقلّباتها،‭ ‬يظل‭ ‬صبر‭ ‬الأب‭ ‬الدرع‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬تتكئ‭ ‬عليه‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬مسيرتها‭ ‬اليومية‭. ‬فالأب‭ ‬لا‭ ‬يصبر‭ ‬لأنه‭ ‬مُجبَر،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬مسؤولياته‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُترك‭ ‬للظروف،‭ ‬ولأن‭ ‬وجوده‭ ‬يمثل‭ ‬الأمان‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الأبناء‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬العالم‭ ‬دون‭ ‬خوف‭.‬

لقد‭ ‬وصف‭ ‬الشاعر‭ ‬جورج‭ ‬هيربرت‭ ‬دور‭ ‬الأب‭ ‬بأنه‭ ‬يفوق‭ ‬دور‭ ‬“مئة‭ ‬معلّم”،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الحكمة‭ ‬والصبر‭ ‬اللذين‭ ‬يرافقان‭ ‬خطواته‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هموم‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬البيت‭. ‬أما‭ ‬المفكرون‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬فقد‭ ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬الأب‭ ‬عمودًا‭ ‬من‭ ‬أعمدة‭ ‬الاستقرار،‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬سقراط‭ ‬إن‭ ‬الأب‭ ‬هو‭ ‬“الأمان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفنى”،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬تختصر‭ ‬رحلة‭ ‬الأب‭ ‬مع‭ ‬الضغوط،‭ ‬وكيف‭ ‬يواجهها‭ ‬برباطة‭ ‬جأش‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬أبناؤه‭ ‬بثقل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬أعباء‭.‬

الصبر‭ ‬عند‭ ‬الأب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تحمّل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فنّ‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬بصمت‭ ‬واتزان‭. ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬مالية،‭ ‬وكل‭ ‬خلاف،‭ ‬وكل‭ ‬كبوة‭ ‬يمر‭ ‬بها،‭ ‬يختار‭ ‬الأب‭ ‬الثبات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعبّر‭ ‬عنه‭ ‬الكاتب‭ ‬ياسر‭ ‬حارب‭ ‬حين‭ ‬يقول‭: ‬“لو‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭ ‬الألم‭ ‬لما‭ ‬وجد‭ ‬الصبر،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭ ‬الصبر‭ ‬لما‭ ‬وُجدت‭ ‬الفضيلة”،‭ ‬ليشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صبر‭ ‬الأب‭ ‬فضيلة‭ ‬تُبنى‭ ‬فوقها‭ ‬فضائل‭ ‬أخرى‭ ‬لدى‭ ‬الأسرة‭ ‬بأكملها‭. ‬كما‭ ‬شبّه‭ ‬المفكرون‭ ‬الأب‭ ‬بأنه‭ ‬“الظهر‭ ‬الذي‭ ‬يسند‭ ‬الأبناء‭ ‬حين‭ ‬يواجهون‭ ‬الأزمات”،‭ ‬وهو‭ ‬وصف‭ ‬صادق‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬صبر‭ ‬الأب‭ ‬الطويل‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬الحياة‭ ‬اليوميّة،‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬إلى‭ ‬موازنة‭ ‬المتطلبات‭ ‬المالية،‭ ‬إلى‭ ‬احتضان‭ ‬هموم‭ ‬الأبناء‭ ‬وتوجيههم‭ ‬دون‭ ‬تذمّر‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬صبر‭ ‬الأب‭ ‬ليس‭ ‬قوة‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬بطولة‭ ‬صامتة‭ ‬تُمارس‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬وتُشكّل‭ ‬أعمدة‭ ‬حياةٍ‭ ‬كاملة‭. ‬فبينما‭ ‬يتكلم‭ ‬الجميع،‭ ‬يبقى‭ ‬الأب‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬بصمت،‭ ‬ويتحمّل‭ ‬بصمت،‭ ‬ويصنع‭ ‬الأمل‭ ‬بصمت‭.‬

 

كاتب وإعلامي بحريني