وباء المعلومات الصحية المضللة (2)
| د.سيد محمود القلاف
بعد أن كانت المعلومات المضللة في الزمن السابق تنتشر عبر الفم وكلام الناس، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في انتشارها كالنار في الهشيم. فقد كشفت تحقيقات حديثة حول ملخصات الصحة المولدة بالذكاء الاصطناعي عن وجود أخطاء “مثيرة للقلق” حول الأمراض والأدوية وصلت حتى مرض السرطان وأدويته. ففي بعض الحالات، قدمت أدوات الذكاء الاصطناعي تحليلات غير صحيحة لنتائج فحوصات الأمراض المزمنة كالسكري والكبد والكلى والأمراض الأخرى، ما أدى إلى دفع المرضى المصابين بهذه الأمراض إلى إلغاء مواعيد المتابعة الضرورية لهم. وعلى منصات مثل “إكس” (تويتر سابقا) و”تيك توك”، تنتشر المعلومات المضللة غالباً بسرعة تفوق المعلومات الحقيقية بستة أضعاف، حيث تقوم هذه الوسائل بتضخيم المعلومات بواسطة خوارزميات مصممة لزيادة التفاعل لا مراعاة الدقة، ولا أقل من ذلك نشر الناس أنفسهم المعلومات المضللة عبر الواتساب ووسائل المراسلة الأخرى.
وفي سبيل مكافحة المعلومات المضللة، يجب فهم سبب تداولها وترسخها. يلاحظ علماء النفس أن الناس ليسوا صفحة بيضاء؛ بل يعالجون المعلومات الجديدة من خلال عدسة المعتقدات والهويات الموجودة مسبقًا، وهي ظاهرة تُعرف باسم “الإدراك الموجه”، فقد تبين أن الهوية لدى غالبية الناس فوق المعلومات، لذلك يميلون إلى تصديق المعلومات من الأشخاص الذين لديهم معرفة سابقة معهم، ما يجعلهم أحيانًا يفضلون هوية المرسل على المحتوى الفعلي للرسالة. كذلك فإن العدوى العاطفية هي عامل آخر فيما يتعلق بتداول المعلومات المضللة، فالمحتوى الذي يثير مشاعر قوية - مثل الخوف أو الغضب أو السخط - ينتشر بشكل أسرع ويُصدق بسهولة أكبر.
بالإضافة إلى ذلك فإن وهم الحقيقة لا يقل شأناً عما سبق، فمجرد تكرار ادعاء، حتى لدحضه، يمكن أن يجعله مألوفًا أكثر، وبالتالي يبدو أكثر تصديقًا بمرور الوقت.
ويلعب الصيادلة وأخصائيو الرعاية الصحية الآخرون دورًا محوريًا في مواجهة ظاهرة المعلومات الصحية المضللة. فباعتبارهم من أكثر مقدمي الرعاية الصحية قربًا من المجتمع، يتمتع الصيادلة بموقع يؤهلهم لتثقيف المرضى وتصحيح المفاهيم الخاطئة وتوجيه الاستخدام الآمن والفعّال للأدوية. كما أن على أفراد المجتمع مسؤولية شخصية في هذا الشأن. فعند العثور على أية معلومة صحية وقبل التفكير في العمل بها، ينبغي طرح أسئلة أساسية: هل المصدر موثوق؟ هل تستند المعلومة إلى أدلة علمية؟ هل تم اعتمادها من جهات صحية رسمية.
وقبل مشاركة أي ادعاء صحي يصل عبر الإنترنت، يجب التوقف والقيام بالتحقق منه مع مصادر موثوقة مثل الصيدلي أو الطبيب أو الوكالات الصحية الرسمية، وإذا لم يتم التأكد من المعلومة، يجب عدم مشاركتها. وعند التحدث إلى أحد أفراد الأسرة ممن يؤمن بخرافة صحية، ينبغي التعامل مع المحادثة بتعاطف، وليس بالحكم، كما يجب السعي إلى فهم مخاوف الطرف الآخر والاستماع إليه بهدوء وعرض المعلومات الموثوقة بلطف. وعلى عكس الأسطورة الشائعة، فإن تصحيح المعلومات المضللة فعال بشكل عام ولا يسبب عادةً “تأثير الارتداد” حيث يعتقد الناس الكذبة بقوة أكبر.
إن المعلومات المضللة في الصحة ليست مجرد إزعاج رقمي، بل هي تهديد حقيقي ومتزايد للصحة العامة. والتصدي لها يتطلب جهدًا جماعيًا من الجهات التنظيمية، ومهنيي الرعاية الصحية، ووسائل الإعلام، وأفراد المجتمع. ومن خلال تعزيز الثقافة الصحية، وتشجيع الرجوع إلى المختصين، والتصدي للمعلومات الخاطئة، يمكننا حماية المجتمع وضمان أن تكون القرارات الصحية مبنية على معلومات دقيقة وموثوقة قائمة على الدليل العلمي.
أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية