مع الأزمات الاقتصادية.. القانون والاستعداد للمجهول

| رجب قاسم

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسير‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬الاستقرار‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬صيغت‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬أغلب‭ ‬التشريعات‭ ‬الوطنية؛‭ ‬فالأحداث‭ ‬المتسارعة،‭ ‬والتقلبات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬والأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬والتحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المفاجئة،‭ ‬جميعها‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬القانون،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يأتي‭ ‬متأخرًا‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬ويجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬الاستباقي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يثور‭ ‬التساؤل‭ ‬الجوهري‭:‬

أنحن‭ ‬أمام‭ ‬قوانين‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المجهول،‭ ‬أم‭ ‬أمام‭ ‬نصوص‭ ‬أُعدّت‭ ‬لعالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موجودًا؟

ولا‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬“المجهول”‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬استثناءً‭ ‬طارئًا،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬التشريع‭ ‬ذاتها،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬المعالجة‭ ‬اللاحقة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاستعداد‭ ‬السابق‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭.‬

القانون‭ ‬بين‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬والتشريع‭ ‬الاستباقي

تقليديًا،‭ ‬نشأت‭ ‬القوانين‭ ‬كرد‭ ‬فعل‭ ‬لوقائع‭ ‬محددة؛‭ ‬جريمة‭ ‬وقعت‭ ‬فصدر‭ ‬التجريم،‭ ‬أزمة‭ ‬ظهرت‭ ‬فصدر‭ ‬التنظيم،‭ ‬خلل‭ ‬انكشف‭ ‬فتمت‭ ‬المعالجة‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬وهذا‭ ‬رغم‭ ‬أهميته‭ ‬التاريخية،‭ ‬أصبح‭ ‬قاصرًا‭ ‬عن‭ ‬مجاراة‭ ‬واقع‭ ‬سريع‭ ‬التغيّر،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأحداث‭ ‬قدرة‭ ‬النصوص‭ ‬الجامدة‭ ‬على‭ ‬الاحتواء‭.‬

فالتشريع‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأضرار‭ ‬قد‭ ‬وقعت،‭ ‬والثقة‭ ‬قد‭ ‬اهتزت،‭ ‬والفراغ‭ ‬القانوني‭ ‬قد‭ ‬استُغل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يبرز‭ ‬مفهوم‭ ‬التشريع‭ ‬الاستباقي‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬قانونية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توقع‭ ‬السيناريوهات‭ ‬المحتملة،‭ ‬ووضع‭ ‬أطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬مرنة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬المستجدات‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬تشريعي‭ ‬طارئ‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬كوظيفة‭ ‬قانونية‭ ‬أصيلة

لم‭ ‬يعد‭ ‬دور‭ ‬القانون‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬السلوك‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقات،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليشمل‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المجتمعية؛‭ ‬فالقانون‭ ‬الحديث‭ ‬يُفترض‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يحدّد‭ ‬مصادر‭ ‬الخطر‭ ‬المحتملة،‭ ‬ويضع‭ ‬آليات‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭ ‬قبل‭ ‬وقوعها،‭ ‬ويُنشئ‭ ‬أدوات‭ ‬قانونية‭ ‬تسمح‭ ‬بالتدخل‭ ‬السريع‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بالمشروعية‭.‬

وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬في‭ ‬تشريعات‭ ‬الطوارئ،‭ ‬وقوانين‭ ‬الدفاع‭ ‬المدني،‭ ‬والتنظيمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوقائية،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للحوكمة‭ ‬والشفافية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬القوانين،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬وضوحها،‭ ‬وضبطها،‭ ‬وحدود‭ ‬استخدامها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬حماية‭ ‬إلى‭ ‬ذرائع‭ ‬للتوسع‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭.‬

مرونة‭ ‬النصوص‭ ‬وحدود‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية

إذ‭ ‬يُطالب‭ ‬القانون‭ ‬اليوم‭ ‬بالمرونة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المرونة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الغموض‭ ‬أو‭ ‬إطلاق‭ ‬يد‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬دون‭ ‬قيود؛‭ ‬فالتشريع‭ ‬الذكي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬مرونة‭ ‬النص‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬المستجدات،‭ ‬وصرامة‭ ‬المبدأ‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬الحقوق‭ ‬وتمنع‭ ‬الانحراف‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬ضبط‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬الممنوحة‭ ‬للإدارة،‭ ‬ووضع‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬لممارستها،‭ ‬وآليات‭ ‬رقابية‭ ‬فعّالة‭ ‬تضمن‭ ‬عدم‭ ‬إساءة‭ ‬استخدامها‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬مواجهة‭ ‬المجهول؛‭ ‬فالتجربة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬ليس‭ ‬غياب‭ ‬النص،‭ ‬بل‭ ‬سوء‭ ‬توظيف‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمات‭.‬

الاستثناءات‭ ‬القانونية‭ ‬بين‭ ‬الضرورة‭ ‬والانحراف

لا‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬قد‭ ‬تفرض‭ ‬حلولًا‭ ‬استثنائية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬يظهر‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬الاستثناءات‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬دائمة،‭ ‬أو‭ ‬حين‭ ‬تُستخدم‭ ‬الضرورة‭ ‬كغطاء‭ ‬لتقويض‭ ‬الضمانات‭ ‬القانونية،‭ ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬مشروعًا‭: ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬حدود‭ ‬الضرورة؟‭ ‬وهل‭ ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬الحدود‭ ‬خاضعة‭ ‬لرقابة‭ ‬قضائية‭ ‬حقيقية؟

إن‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬سنّ‭ ‬الاستثناءات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬السريعة‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬بعد‭ ‬زوال‭ ‬الظرف‭ ‬الاستثنائي،‭ ‬وبمدى‭ ‬احترامها‭ ‬لمبدأ‭ ‬التناسب‭ ‬بين‭ ‬الخطر‭ ‬والإجراء‭ ‬المتخذ‭.‬

المواطن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المجهول

في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يقف‭ ‬المواطن،‭ ‬باعتباره‭ ‬الطرف‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بالأزمات‭ ‬وأدوات‭ ‬إدارتها؛‭ ‬فالأمن‭ ‬القانوني‭ ‬للمواطن‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬وجود‭ ‬نصوص‭ ‬تحميه‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬بالأساس‭ ‬وضوح‭ ‬القواعد‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الاضطراب،‭ ‬وقابلية‭ ‬التوقع‭ ‬القانوني،‭ ‬وعدم‭ ‬المفاجأة‭ ‬بإجراءات‭ ‬غير‭ ‬مفهومة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مبررة‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بالقانون‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬ذاتها؛‭ ‬لأنه‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والدولة،‭ ‬ويقوّض‭ ‬الشعور‭ ‬بالمشروعية‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬عودة‭ ‬الاستقرار‭.‬

نماذج‭ ‬مقارنة‭ ‬وتجارب‭ ‬معاصرة

تُظهر‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬التشريع‭ ‬الاستباقي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإكثار‭ ‬من‭ ‬القوانين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الصياغة‭ ‬ووضوح‭ ‬الفلسفة‭ ‬التشريعية؛‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالضرورة‭ ‬الأكثر‭ ‬تشريعًا،‭ ‬وإنما‭ ‬الأكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬وضوح‭ ‬توزيع‭ ‬الاختصاصات،‭ ‬وتفعيل‭ ‬الرقابة‭ ‬البرلمانية‭ ‬والقضائية،‭ ‬وإشراك‭ ‬الخبرات‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬القانوني‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬الخليجي،‭ ‬برز‭ ‬توجه‭ ‬متنامٍ‭ ‬نحو‭ ‬تحديث‭ ‬التشريعات،‭ ‬وإدخال‭ ‬مفاهيم‭ ‬الحوكمة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬محمود،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬التشريع‭ ‬الوقائي‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالمعالجة‭ ‬اللاحقة‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية‭ ‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الاستعداد‭ ‬للمجهول‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفًا‭ ‬تشريعيًا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬العصر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستعداد‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬نصوص‭ ‬فضفاضة‭ ‬أو‭ ‬سلطات‭ ‬مطلقة،‭ ‬وإنما‭ ‬عبر‭ ‬تشريع‭ ‬ذكي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬ركائز‭ ‬أساسية‭:‬

أولًا‭: ‬الوضوح،‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬القواعد‭ ‬معروفة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتوقع‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭.‬

ثانيًا‭: ‬المرونة‭ ‬المنضبطة،‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بالمبادئ‭ ‬الدستورية‭.‬

ثالثًا‭: ‬الرقابة‭ ‬الفعّالة،‭ ‬ضمانًا‭ ‬لعدم‭ ‬انحراف‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬المجهول‭ ‬ذريعة‭ ‬للمساس‭ ‬بالحقوق‭. ‬إن‭ ‬القانون‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬المجهول‭ ‬هو‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬يحترم‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬الحدث،‭ ‬ويحمي‭ ‬المشروعية‭ ‬قبل‭ ‬الإجراء،‭ ‬ويُدرك‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالخروج‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬القانون،‭ ‬بل‭ ‬بتعميقها؛‭ ‬فالدولة‭ ‬القوية‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تُكثر‭ ‬من‭ ‬الاستثناءات،‭ ‬وإنما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬النضج‭ ‬التشريعي‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مستعدة‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬به،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬بوصلتها‭ ‬القانونية‭. ‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬عُمان