اكتشاف غاز في الفلبين.. فرص أم وعود؟

| عبدالله بوقس

عندما تعلن دولة في آسيا اكتشاف مورد استراتيجي للطاقة بعد أكثر من عقد من الركود، فإن الأمر يستدعي وقفة تحليلية تتجاوز مجرد الاحتفاء بالكمّية؛ لأن التجربة تُظهر أن الاكتشافات وحدها لا تصنع التحوّل ما لم تُحسن الدولة تحويلها إلى سياسات إنتاج واستقرار.

في يناير الماضي، أعلنت الفلبين اكتشاف حقل غاز طبيعي جديد شرق حقل مالامبايا البحري قبالة سواحل جزيرة بالاون، في أول اكتشاف كبير منذ أكثر من عشر سنوات، وهو حدث يفتح الباب على احتمالين متباينين: إما أن يتحول إلى رافعة فعلية لأمن الطاقة، أو أن يبقى رقمًا واعدًا يتآكل تحت ضغط الإدارة والتأخير. وتكمن أهمية هذا الاكتشاف، المقدّر بنحو 98 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، في توقيته لا في حجمه فقط؛ فالفلبين تواجه معضلة مركبة تتمثل في ارتفاع كلفة الكهرباء، واعتمادها على الفحم المستورد لتوليد أكثر من نصف احتياجاتها الكهربائية، فضلًا عن الانقطاعات الدورية التي تمسّ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، حيث تشير بيانات وزارة الطاقة الفلبينية إلى أن حقل مالامبايا الحالي يزوّد نحو 40 % من احتياجات جزيرة لوزون من الكهرباء؛ ما يجعل أي إضافة جديدة مسألة سيادية قبل أن تكون استثمارية.

ومن زاوية اقتصادية أوسع، يُظهر تدفّق الغاز الأوّلي من الحقل المكتشف بمعدل 60 مليون قدم مكعبة يوميًا أن الإمكانات التقنية قائمة، غير أن السؤال الجوهري يتعلّق بالقدرة على البناء التراكمي والاستدامة الإنتاجية؛ فكمية الغاز المقدّرة تعادل نحو 14 مليار كيلوواط ساعة سنويًا، وهي كافية نظريًا لتغذية ملايين المنازل أو ما يقارب 200 ألف مدرسة مدة عام، إلا أن تحويل هذا الرقم من معادلة حسابية إلى أثر اقتصادي ملموس يتطلب بنية تنظيمية وتمويلية صارمة، خصوصًا في سوق طاقة تتسم بتقلّبات عالمية وارتفاع متواصل في تكاليف التمويل.

بالنسبة لدول الخليج العربية، لا تُقرأ التجربة الفلبينية من زاوية الندرة، بل من زاوية الإدارة؛ فهي تطرح نموذجًا لدولة غير مصدّرة تحاول تقليص اعتمادها على الفحم، وخفض انبعاثاتها الكربونية، وبناء استقرار كهربائي بموارد محدودة نسبيًا. هذا النموذج يفتح مجالًا للتفكير في شراكات خليجية محتملة، سواء في الاستثمار التقني، أو نقل الخبرات في تطوير الحقول البحرية، أو حتى في تمويل مشاريع البنية التحتية للطاقة النظيفة، في إطار استثمارات خارجية طويلة الأجل مقوّمة بالدولار الأميركي.

في المحصلة، لا يكمن التحدي أمام الفلبين في استخراج الغاز بقدر ما يكمن في الإجابة عن السؤال الذي يرافق كل اكتشاف: هل تستطيع الدولة أن تحوّل المورد إلى سياسة، والاحتياطي إلى استقرار، والوعد إلى فرصة مكتملة؟ عند هذا الحد فقط، يغادر الغاز باطن البحر ليصبح عنصرًا فاعلًا في معادلة التنمية، لا عنوانًا مؤقتًا في نشرات الأخبار.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور