الإرهاق الوجودي والجرح المزمن
| سيد ضياء الموسوي
الحياةُ ليست مزحةَ أصدقاء في سهرة ليلية شتوية في خيمة صحراوية، ليست رحلة جميلة في “ديزني لاند”، ولا هي إبحار جميل صيفي في سفينة “كروز” نتنقل فيها من مدينة لمدينة، أو غرام يتدفق مع حبيبة في قارب في “فينس” الإيطالية، ولا هي التقاط صور أمام برج “إيفل” أو استعراض سيارات فارهة أمام كازينو “موناكو” أو ساحل المترفين في “سان تروبيه” (Saint-Tropez) في الجنوب الفرنسي. الحياة تشكلت منذ البداية على اختلاط معاني الكوميديا والتراجيديا؛ السكينة والسكين، الأمل والألم، السُم والسُمن، الشوك والشوق، مع خليط من القسوة والعبثية. تعاملك مع الحياة ببراءة الأطفال يعني عيشك الأبدي يتيماً، يُتم الأبوين ويُتم الحياة السعيدة. الحياة بحاجة إلى توازن ذهبي، إلى ترسانة معرفية، إلى أسلحة ثقافية تمكنك من صناعة جبهتك الأمامية في التصدي لحروب الخرافة التي صنعها الإنسان بالأديان، السياسة المتوحشة، الاقتصاد الفردي الشرس وغير النبيل، ومع ضباع الأمراض النفسية، وسماسرة الحروب، إلخ. من لا يملك الثقافة سيبقى يعاني طيلة الحياة، وسيكون ضحية إما لرجل سياسة، أو رجل دين، أو مريض نفسي، أو أحمق؛ هؤلاء منتشرون بشباكهم لاصطياد البشر. إنهم يمثلون -كما رأى ديفيد هاوكينز- 87 بالمئة من البشرية على المستوى الطاقي المنخفض، والنضج، والوعي، والرضا، والقبول، والحكمة، والحب، والسلام، والسعادة، والتنوير. كل هذه الصفات التحررية غير منطبقة على هؤلاء البشر. هذا يقودني لجميلِ شعرٍ يختصر عبثية ألبير كامو، وشوبنهاور، ودوستويفسكي، وجان جينيه، وسارتر، وكارل يونغ، وفرانكل، وكل الذين نبشتُ سيرهم واستخرجتُ نظرياتهم عبر بحوثي السابقة. يقول الشاعر العراقي عمر الفرا: ما أشعلَ الجمرَ إلا شدّةُ اللّهبِ فاجمَعْ لنارِكَ تاريخاً من الحطَبِ مازلتَ تركضُ والأيامُ راكضةٌ وما بَنَيتَ سوى جيشٍ من التعبِ مِن حيثُ تَبْدَأُ كانتْ تَنتهي قصصٌ شاخَ الرُّواةُ ومازالَ الزمانُ صَبِيْ ضمِّدْ جراحكَ قد أودعتَها عُمُراً يحتاجُ من شدَّةِ الآلامِ صبْرَ نَبِيْ. هذه القصيدة نصّ كثيف، يتصبب وجعاً ونزفاً ناضجاً، لكنه مشحون بحكمةٍ مُرّة؛ ليست تأمّلاً عابراً بل بيان وعيٍ مُتعب. وكما يقول هاوكينز وهو يردد في كتبه عند فزع الإنسان من الألم مرضاً أو خوفاً أو وجعاً: “وماذا بعد؟... دعها تذهب”. امتلكتَ الدنيا؟ وماذا بعد؟ دنيا بلا معنى تراكم مالاً وآلاماً. وهذا يقودنا لنظرية “جنة الفئران” التي دمرت الفئران، وهي تجربة عالمٍ وضع فئران في ترفٍ معيشي يومي؛ كل شيء متوفر لكن بلا معنى، ولا تحديات للحصول على الأكل، ودون أي خطر.. حالة من الرفاهية الكبرى. مع الأيام تعبت الفئران، أصيبت بالإعياء، والتعب، والملل، لغياب تحدي الحصول على الأكل. هذه النظرية تنطبق على الإنسان؛ ترف كبير مع غياب تحديات يقود لفراغ ورتابة وملل واكتئاب. وكي تكتمل سعادتك لابد من وجود وفرة مالية مع تحديات حياة، مع وجود معنى سامٍ وعظيم تحقق به ذاتك. الاحتراق الوظيفي لن ينقذ حياتك، الذوبان في زحمة الصراعات سيقلل من شغفك، تراكم المجالس مع ضوضاء علاقات اجتماعية مكثفة عبثية تقودك للخواء، الهوس بالواجهة الاجتماعية سيحولها إلى مدفأة تسرب لك ثاني أكسيد الكربون في حياتك فتخنقك ببطء وأنت نائم. يقول الفيلسوف الفرنسي العبثي ألبير كامو: “الركض لا ينقذك من عبث الزمن”. هذا ما توصلت له الدراسات فلسفياً، معرفياً، أنثروبولوجياً، وسيكولوجياً. انتبه لأفكارك، راقب نفسيتك برادار سيكولوجي، انتبه لأي خلل في توازنك، وفلسفتك للوجود، ومحيطك؛ فربما أنت في سجن فكرة، أو زنزانة عقائدية، أو معتقل عسكري اجتماعي. السجون الناعمة غير المرئية تملأ حياتك وأنت لا تعلم. عودةً لبيت الشعر: أولاً: القراءة الفلسفية (فلسفة الألم، الزمن، والجهد العبثي) “ما أشعلَ الجمرَ إلا شدّةُ اللّهبِ” هذه افتتاحية هيراقليطية بامتياز: لا نار بلا احتراق، ولا وعي بلا فجيعة. الألم هنا ليس طارئاً بل شرط تكوّن، مثل قول نيتشه: «ما لا يقتلني ينضجني». وهذا يفسر حتمية الإرهاق الوجودي والجرح المزمن لدى الإنسان، ولكن تكمن قدرته في أسلحته النفسية وقوة أفكاره، وكيف يتعاطى مع الوجود بأجمل صورة، وبأقل خسارة وأكثر ربح. كما يقول الشاعر محمود درويش: “وإذا جاءك الفرح، مرة أخرى، فلا تذكر خيانته السابقة، ادخل الفرح، وانفجر”. الدنيا ليست أمك الحنون التي تربت على كتفك وتضمك إلى صدرها وتمسح دمعك؛ أنت أمُّ ذاتك، أنت أبُ نفسك، وأنت توأم روحك. لا تنتظر الآخرين أن يشفقوا عليك بحنية أو حنان أو صدقة حب؛ إن جاؤوا فنور على نور، وإذا لم يأتوا أو جاؤوا وانسحبوا فأنت ممتلئ بذاتك. يقول الإمبراطور ماركوس أوريليوس في كتابه “تأملات”: “كن غنياً عن أي سكينة تأتيك من الآخرين”، بمعنى امتلئ بذاتك، وتقبل سكينة الآخرين بشرط أن لا تدمنها، فقد تتحول لورقة ضغط عليك من الآخر. النص لا يقع في رومانسية الألم، بل يفضح ثمنه: “وما بَنَيتَ سوى جيشٍ من التعبِ”. هنا نلمس العبث الكاموي؛ الإنسان يكدّ، يركض، يبني… ثم يكتشف أن حصاده ليس معنى، بل إرهاقاً منظماً. هنا طرح فرانكل في كتاب “الإنسان والبحث عن المعنى” أن وجود “المعنى” العظيم في حياة الإنسان بمثابة القلب للجسد. هذا السطر يقف بين: سيزيف كامو (العمل بلا خلاص): صخرة سيزيف كلما صعد بها لأعلى الجبل عاقبته الآلهة بإلقاء الصخرة في الوادي وهكذا. القدر قاسٍ ومؤلم وموجع… شابة في ليلة عرسها تتحول إلى نعش، طفل بريء يفقد كل أهله بلحظة؛ كل هذه الآلام ترسم أسراراً لا أحد يفهمها ولا يفك لغزها. وما هو أهم من الأوجاع عيش نقيضها وهو الاستمتاع بالحياة، فأحياناً المغادرة عن الفهم أهم من محاولة الفهم. تشاؤم شوبنهاور: (الإرادة التي تلد الألم ولا تشبع). ثانياً: القراءة المعرفية (نقد فكرة التراكم، وخرافة التقدّم الشخصي) “فاجمَعْ لنارِكَ تاريخاً من الحطَبِ” هذه جملة معرفية خطيرة؛ هي لا تمدح التراكم، بل تسخر منه. المعرفة هنا ليست خلاصاً بذاتها، بل قد تكون وقود الاحتراق. تتقاطع مع: فوكو: المعرفة ليست بريئة، بل شبكة قوى. غريغوري بيتسون: ليس كل تعلّمٍ حكمة، بعضه إعادة إنتاج للألم. بالنسبة لي أختلف معهم؛ فمعرفة طبيعة الألم وتركيبه وسببه والدخول في خريطته وتضاريسه هي نصف علاجه. الاتكاء على العلاج الفطري للأوجاع كما هي عادة أجدادنا في مواجهة الصدمات وقسوة الحياة غير كافٍ، خصوصاً في زمن اليوم؛ زمن تسييل القيم والمفاهيم الإنسانية. “مِن حيثُ تَبْدَأُ كانتْ تَنتهي قصصٌ” هذا نقد ضمني للوهم الخطي للمعرفة: نبدأ ونحن نظن أننا نفتح أبواباً، لكننا في الحقيقة نغلق دوائر قديمة بأسماء جديدة. وهذه هي قصة الإنسان؛ الآلام هي هي لكن التحايل عليها بصور مختلفة. سير الحياة وقصصها هي هي، الذي يتغير هو الأسماء والشخوص هكذا هي الحياة. القدر أشبه بقناص يمتلك وروداً ورصاصاً، قابع على الأسطح يلتقط المارة ببندقيته ووروده؛ منهم من يلقي عليه وردة، ومنهم من حظه رصاصة، ومنهم الاثنان، ومنهم من لا هذه ولا تلك، وقلّما من يحظى فقط بوردة. وكما يقول الإمام علي (ع) عن الدنيا: “فخلط حلاوتها بمرارتها”. ومن يقترب من الله عز وجل قرباً جميلاً يحظى بالوردة ولا يخشى القناص. ثالثاً: القراءة الأنثروبولوجية (الإنسان ككائن يُعيد الأسطورة نفسها) “شاخَ الرُّواةُ وما زالَ الزمانُ صَبِيْ” يا لها من جملة أنثروبولوجية مذهلة؛ الإنسان يشيخ، السرديات تشيخ، لكن الزمن لا يتعلّم. هذه الفكرة نجدها عند: ميرسيا إلياد: الإنسان يعيد الطقس نفسه، يبدّل الأقنعة فقط. ليفي-شتراوس: البُنى تتكرّر مهما تغيّرت الحكايات. القصيدة تقول: نحن لسنا تقدّماً نحن إعادة تمثيلٍ أكثر إرهاقاً لأسطورة قديمة. رابعاً: القراءة السيكولوجية (الإرهاق الوجودي، والجرح المزمن) “ضمِّدْ جراحكَ قد أودعتَها عُمُراً” هذا توصيف دقيق لما تسميه السيكولوجيا الحديثة (Trauma Bonding)، والجرح الذي يتحوّل إلى هوية. الألم هنا لم يعد حادثة بل سيرة ذاتية كاملة. “يحتاجُ من شدَّةِ الآلامِ صبْرَ نَبِيْ” وهذا اعتراف ضمني بأن ما حُمِّلَ للإنسان أكبر من طاقته البشرية. نحن نطلب من البشر صبر أنبياء بلا وحي وبلا وعد خلاص. وهذا تحديداً ما يولّد: الاحتراق النفسي، الاكتئاب الوجودي، والإحساس باللاجدوى رغم الاستمرار. هناك مقاربات لذات معاني الشعر نجدها لدى أكثر من فيلسوف: نيتشه: الألم يُنضج، لكنه قد يُدمّر إن لم يُعاد تأويله. (وهذا ما يسمى في علم النفس العلاج المعرفي الجدلي؛ فكي تنجو من الألم لابد من أن تنظر إليه من زاوية إيجابية خفية، وتعيد قراءة الحدث بمنطق أكبر وبوعي ناضج). كامو: الركض لا ينقذك من عبث الزمن. شوبنهاور: الإرادة تُنهك صاحبها. فكتور فرانكل: الألم بلا معنى يتحوّل إلى جحيم. كارل يونغ: الجرح غير المدموج يصبح قدراً. أقول: هذا النص لا يمجّد الألم ولا يدعو للاستسلام، بل يقول بوضوحٍ جارح: إن لم تتوقّف لتفهم لماذا تحترق، فسوف تبني حضارة كاملة من التعب فقط. الإنسان مشروع احتراق، فلابد أن يمتلك خزان ماء معرفي لإطفاء غابات حياته ساعة الاحتراق؛ احتراق من لعنة انقلاب علاقة، خيانة حبيب، فراق قريب، انهيار مالي، صدمة خيانة، قلق حرب، أزمة وجودية.. كل ذلك لا يخففه ويرفع في المقابل من شغف الحياة إلا وجود ثقافة عالية عملية تتحول من الدماغ إلى آلية فعل على الأرض. وهذا ما أسميه “ذكاء الحياة”؛ أن تكون ذكياً ذكاء حياة مع جنون واقع، وإن لم تنتبه لذاتك ستجد نفسك إما أحمق أو مجنوناً. جوهر الحياة يقوم على القسوة والعبثية، ولأنها كذلك لابد أن تستمتع وتعيش ثقافة الحياة دون عبء بفوضاها، وغبائها، وجنونها، وقسوتها، ومهازلها المتراكمة كلعنة يتيم وُلد في ملجأ مهجور تحت رحمة مشرفة قاسية في حرب أشد قسوة.