فضاءات

خواطر عن النيل الخالد

| رضي السماك

أكتب‭ ‬إليكم‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬حيث‭ ‬حططت‭ ‬رحالي‭ ‬فيها‭ ‬كما‭ ‬تعودت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬زيارتي‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لدواع‭ ‬صحية،‭ ‬فإن‭ ‬زيارتي‭ ‬لمعرض‭ ‬الكتاب‭ ‬ظلت‭ ‬شغفًا،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬جنوناً‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬صده،‭ ‬وقد‭ ‬جال‭ ‬بخاطري‭ ‬وأنا‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ضفاف‭ ‬النيل،‭ ‬كما‭ ‬تعودت‭ ‬أن‭ ‬أفعل‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬لأمتّع‭ ‬ناظري‭ ‬بنهرها‭ ‬الخالد‭.. ‬أقول‭ ‬جال‭ ‬بخاطري‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭: ‬لماذا‭ ‬روعة‭ ‬وفتنة‭ ‬النيل‭ ‬لا‭ ‬تتبدى‭ ‬ولا‭ ‬تتجلى‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬المصرية،‭ ‬أو‭ ‬سائر‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬التي‭ ‬يخترقها‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬الوجه‭ ‬القبلي‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬الوجه‭ ‬البحري‭ ‬بدمياط‭ ‬ورشيد،‭ ‬ليصب‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط؟‭ ‬إن‭ ‬نهر‭ ‬النيل‭ ‬يقدّر‭ ‬طوله‭ ‬بنحو‭ ‬6650‭ ‬متراً،‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬يُعد‭ ‬النهر‭ ‬الأطول‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬أما‭ ‬دول‭ ‬حوض‭ ‬النيل‭ ‬فتبلغ‭ ‬11‭ ‬دولة‭ ‬أفريقية‭ ‬تُعرف‭ ‬بدول‭ ‬المصب‭ ‬والمنبع،‭ ‬وهي‭ ‬كل‭ ‬من‭: ‬مصر‭ ‬والسودان‭ ‬وجنوب‭ ‬السودان‭ ‬وإثيوبيا‭ ‬وأوغندا‭ ‬وكينيا‭ ‬وتنزانيا‭ ‬ورواندا‭ ‬وبوروندي‭ ‬وجمهورية‭ ‬الكونغو‭ ‬وإريتريا‭. ‬

وقد‭ ‬ظل‭ ‬النيل‭ ‬منذ‭ ‬القِدم‭ ‬موئلاً‭ ‬لأقدم‭ ‬الحضارات‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بنهره،‭ ‬سيما‭ ‬الفرعونية،‭ ‬فلا‭ ‬غرو‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬مصر‭ ‬هي‭ ‬“هبة‭ ‬النيل”‭. ‬وعلى‭ ‬ضفتي‭ ‬النهر‭ ‬بُنيت‭ ‬المعابد‭ ‬وأنشئت‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬أجمل‭ ‬الجسور‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬ذروةً‭ ‬وآيةً‭ ‬في‭ ‬الجمال‭ ‬والفن‭ ‬المعماري‭ ‬هندسةً‭ ‬وتصميما‭. ‬وأنت‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الجمال‭ ‬ما‭ ‬يضاهيه‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الحوض،‭ ‬ولاسيما‭ ‬الكبيرة‭ ‬منها‭ ‬مساحة،‭ ‬كالسودان‭ ‬وإثيوبيا‭. ‬لا‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬مصر‭ ‬تُعد‭ ‬أكثر‭ ‬دول‭ ‬الحوض‭ ‬فيما‭ ‬أبدعته‭ ‬من‭ ‬تحويلات‭ ‬لمجراه‭.

وهذه‭ ‬المرة‭ ‬حملت‭ ‬معي‭ ‬كتاب‭ ‬“القاهرة‭ ‬شوارع‭ ‬وحكايات”‭ ‬لحمدي‭ ‬خليل،‭ ‬والذي‭ ‬يأخذك‭ ‬مؤلفه‭ ‬ليحكي‭ ‬لك‭ ‬كيف‭ ‬تطور‭ ‬عمران‭ ‬القاهرة،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬الفاطمية‭ ‬ومروراً‭ ‬بمصر‭ ‬القديمة‭ ‬وانتهاء‭ ‬بالجزر‭ ‬والامتدادات‭. ‬أما‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬العمرانية‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬ردم‭ ‬البرك،‭ ‬كبركة‭ ‬الأزبكية‭ ‬وتحويل‭ ‬مجرى‭ ‬الخليج‭ ‬المصري،‭ ‬بغرض‭ ‬تشييد‭ ‬أحياء‭ ‬القاهرة‭ ‬الخديوية،‭ ‬ولعل‭ ‬زوار‭ ‬القاهرة‭ ‬غير‭ ‬المثقفين،‭ ‬أو‭ ‬أنصاف‭ ‬المثقفين،‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬النيل‭ ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬مجاوراً‭ ‬لأهرامات‭ ‬الجيزة‭. ‬وإذ‭ ‬أكتب‭ ‬إليكم‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬وأنا‭ ‬أتناول‭ ‬“فطاري”‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬إشراقة‭ ‬للشمس‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬الفندق‭ ‬المطل‭ ‬على‭ ‬النيل،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النهر‭ ‬الخالد‭ ‬وجسوره‭ ‬وعماراته‭ ‬الشاهقة‭ ‬يطول‭ ‬ويطول،‭ ‬وبالتالي‭ ‬آمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لي‭ ‬عودة‭ ‬لاستكمال‭ ‬الخواطر‭ ‬عنه‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬سنحت‭ ‬لي‭ ‬سانحة‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني