كلمة راس

“خذ من جيبه وعايده!”... فمتى نقول مبروك؟

| فاطمة عادل سند

جرت‭ ‬العادة‭ ‬أنْ‭ ‬يبارك‭ ‬الزملاء‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وكذا‭ ‬الأهل‭ ‬والأصدقاء‭ ‬لِمن‭ ‬نال‭ ‬منصبا‭ ‬جديدا‭ ‬أعلى؛‭ ‬فيفرحون‭ ‬له‭ ‬ويهادونه‭ ‬ونرى‭ (‬الورد‭ ‬رايح‭ ‬والشوكلاته‭ ‬يايه‭)... ‬وساد‭ ‬العرف‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يبادر‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬ترقية‭ ‬أو‭ ‬منصب‭ ‬جديد‭ ‬أن‭ ‬يحتفي‭ ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬بهذه‭ ‬الترقية؛‭ ‬بإحضار‭ ‬“قدوع”‭ ‬أو‭ ‬إفطار‭ ‬كل‭ ‬حسب‭ ‬درجة‭ ‬الفرح‭ ‬والمنصب‭ ‬الذي‭ ‬ارتقى‭ ‬إليه‭. ‬وإن‭ ‬دلّ‭ ‬هذا‭ ‬العرف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الوظيفية‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬فإنّما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬كرم‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬وحرصهم‭ ‬على‭ ‬مشاركة‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬الفرح‭ ‬ولو‭ ‬كلّفهم‭ ‬ذلك‭ ‬وأثقل‭ ‬كاهلهم‭. ‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تفتر‭ ‬حرارة‭ ‬التبريكات‭ ‬والتهاني‭.. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقترن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬أرفع‭ ‬إلا‭ ‬بازدياد‭ ‬في‭ ‬المهمات‭ ‬وعِظَمٍ‭ ‬في‭ ‬المسؤولية،‭ ‬أمّا‭ ‬الراتب‭ ‬فيبقى‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتزحزح‭ ‬عن‭ ‬حدوده‭ ‬القديمة‭ ‬قيد‭ ‬أُنملة‭! ‬فتجتاح‭ ‬مَنْ‭ ‬نال‭ ‬المنصب‭ ‬الجديد‭ ‬الخيبةُ‭ ‬وتُطرح‭ ‬معها‭ ‬تساؤلات‭ ‬عدّة‭ ‬أبرزها‭: ‬أين‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الراتب؟

قانونيًا،‭ ‬وحسب‭ ‬تعليمات‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية‭ ‬رقم‭ (‬5‭) ‬لعام‭ ‬2018‭ ‬فإنّ‭ ‬“نقل‭ ‬الموظف‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬يشغلها‭ ‬إلى‭ ‬وظيفة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬مستواها‭ ‬أو‭ ‬أعلى‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الجهة‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية”‭ ‬يسمى‭ ‬نقلًا‭ ‬وليس‭ ‬ترقية‭ ‬ولا‭ ‬يستلزم‭ ‬زيادة‭. ‬أما‭ ‬الترقية‭ ‬التي‭ ‬تقترن‭ ‬بزيادة‭ ‬فهي‭ ‬حسب‭ ‬قرار‭ ‬رقم‭ (‬2‭) ‬لسنة‭ ‬2022‭ ‬من‭ ‬تعليمات‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية‭ ‬بشأن‭ ‬نظام‭ ‬الترقية‭ ‬هي‭ ‬ترفيع‭ ‬الموظّف‭ ‬من‭ ‬درجته‭ ‬الوظيفية‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أعلى‭ ‬تالية‭ ‬لدرجته‭ ‬مباشرةً‭. ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الترقية‭ ‬في‭ ‬الدرجة‭ ‬حقّا‭ ‬بحكم‭ ‬الأقدمية‭ ‬والتدرّج‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬السلّم‭ ‬الوظيفي،‭ ‬أمّا‭ ‬تقلّد‭ ‬مناصب‭ ‬رفيعة‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬فهو‭ ‬استحقاق‭ ‬لمن‭ ‬أظهر‭ ‬كفاءة‭ ‬نادرة‭ ‬وجودة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬الأداء‭. ‬وكلاهما‭ ‬غاية‭ ‬يطمح‭ ‬إليها‭ ‬كل‭ ‬مجتهد؛‭ ‬فهي‭ ‬تزيد‭ ‬في‭ ‬تحفيزه‭ ‬مهنيّا‭ ‬وتدفع‭ ‬بأدائه‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل،‭ ‬وتخلق‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬تنافسية‭ ‬نزيهة‭.

لكن‭ ‬أن‭ ‬تتأخر‭ ‬الترقية‭ (‬الدرجات‭) ‬لمن‭ ‬نال‭ ‬المسميات‭ ‬الأعلى‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬قد‭ ‬تشعر‭ ‬الغالبية‭ ‬بالفتور،‭ ‬وأحيانا‭ ‬بالانزعاج؛‭ ‬فكيف‭ ‬لمن‭ ‬أصبحت‭ ‬مهمّاته‭ ‬متراكمة‭ ‬ومسؤوليّاته‭ ‬متعاظمة‭ ‬وسقف‭ ‬أدائه‭ ‬عاليا‭... ‬كيف‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يستسيغ‭ ‬مسمّى‭ ‬جديدا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصاحبها‭ ‬ما‭ ‬يستحقّه‭ ‬من‭ ‬عائد‭ ‬ماديّ؟

والشيء‭ ‬بالشيء‭ ‬يذكر‭ - ‬كما‭ ‬يقال‭ - ‬إذْ‭ ‬إنّ‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬اعتادوا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬السالفة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬نيل‭ ‬الدرجات‭ ‬بانتظام‭ ‬بحسب‭ ‬المدد‭ ‬الزمنية‭ ‬المحددة‭ ‬في‭ ‬الأنظمة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يثير‭ ‬حفيظة‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة‭ ‬اليوم‭ ‬حيال‭ ‬التأخيرات‭.‬

إنّ‭ ‬أيّ‭ ‬منصب‭ ‬أعلى‭ ‬وأرفع‭ ‬يعتبر‭ ‬تكليفا‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬مهمات‭ ‬أدقّ‭ ‬ويتطلّب‭ ‬جهدا‭ ‬أرفع‭ ‬ومسؤولية‭ ‬أعظم‭. ‬ويبني‭ ‬هذا‭ ‬المنصب‭ ‬لدى‭ ‬الموظف‭ ‬شعورا‭ ‬بالاستحقاق‭ ‬المعنوي‭ ‬والماديّ‭ ‬لا‭ ‬محالة‭. ‬فهل‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬كي‭ ‬نغيّر‭ ‬ما‭ ‬جرت‭ ‬عليه‭ ‬العادة؟‭ ‬وإلا‭ ‬سنكون‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬“خذ‭ ‬من‭ ‬جيبه‭ ‬وعايده”‭!.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية‭ ‬