خلجات

مسؤولية الكلمة في ظلّ التوترات الإقليمية

| عباس العماني

في‭ ‬لحظات‭ ‬التحوّل‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬تداعيات‭ ‬الصراعات‭ ‬عند‭ ‬حدودها‭ ‬الجغرافية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬العام،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الخطاب‭ ‬أحد‭ ‬ميادين‭ ‬التأثير‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭. ‬وخلال‭ ‬حرب‭ ‬الأيام‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬الإقليم‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍّ‭ ‬مركّب‭: ‬تثبيت‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صراع‭ ‬متسارع‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬الانخراط‭ ‬فيه‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬السياق،‭ ‬جاء‭ ‬تصريح‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬معبّرًا‭ ‬عن‭ ‬الموقف‭ ‬الوطني،‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬“البحرين‭ ‬ليست‭ ‬طرفًا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬فلا‭ ‬تدخلونا‭ ‬فيها،‭ ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬لن‭ ‬نسمح‭ ‬بذلك،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حققناه‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار”‭. ‬وهو‭ ‬تصريح‭ ‬يُفهم‭ ‬بوصفه‭ ‬سياسة‭ ‬وقائية‭ ‬واعية،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬المنجزات‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬التطورات‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬طبيعة‭ ‬التحديات‭ ‬الحديثة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ساحات‭ ‬التأثير‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬الوقائع‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الأمنية،‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭. ‬ففي‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تتحول‭ ‬الكلمات‭ ‬السريعة‭ ‬والانطباعات‭ ‬الآنية‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تأثير،‭ ‬وقد‭ ‬يُعاد‭ ‬تداول‭ ‬خطاب‭ ‬غير‭ ‬متزن‭ ‬أو‭ ‬مُجزّأ‭ ‬خارج‭ ‬سياقه،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬اجتماعي‭ ‬مسؤول،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬منشور‭ ‬أو‭ ‬تعليق‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬نشر‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬وأن‭ ‬حماية‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي‭ ‬تبدأ‭ ‬بتحصين‭ ‬جبهتنا‭ ‬الداخلية‭ ‬بالوعي‭ ‬ووأد‭ ‬الشائعات‭ ‬ونبذ‭ ‬أية‭ ‬حالة‭ ‬استقطاب‭ ‬طائفي‭ ‬أو‭ ‬آيديولوجي‭ ‬واستقاء‭ ‬المعلومة‭ ‬من‭ ‬مصادرها‭ ‬الصحيحة‭.‬

إن‭ ‬خيارنا‭ ‬كبحرينيين‭ ‬ألّا‭ ‬نكون‭ ‬طرفًا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬نضج‭ ‬سياسي،‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬التفاعل‭ ‬الواعي‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬بوصفه‭ ‬ركيزة‭ ‬للتنمية‭ ‬والثقة‭ ‬بالمستقبل‭. ‬فاختلاف‭ ‬الآراء‭ ‬لا‭ ‬يستدعي‭ ‬نقل‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬الداخل،‭ ‬ولا‭ ‬يبرر‭ ‬تحميل‭ ‬المجتمع‭ ‬أعباء‭ ‬صراعات‭ ‬خارجية‭.

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المراحل،‭ ‬يصبح‭ ‬الانضباط‭ ‬في‭ ‬الخطاب،‭ ‬والالتزام‭ ‬بروح‭ ‬المسؤولية‭ ‬الوطنية،‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬صون‭ ‬الأمن‭ ‬المجتمعي،‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬الكلمة‭ ‬فعلًا،‭ ‬ويكون‭ ‬الوعي‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭.‬

حفظ‭ ‬الله‭ ‬مملكتنا‭ ‬الغالية‭ ‬بقيادتها‭ ‬الحكيمة‭ ‬وشعبها‭ ‬الواعي‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سوء‭ ‬ومكروه‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬