كنت في البحرين.. “الحداثة” المكتوبة بحبر الأصالة

| مرتضى بن حسن

ليست‭ ‬الرحلة‭ ‬إلى‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬مجرد‭ ‬عبور‭ ‬جغرافي‭ ‬بين‭ ‬حدود،‭ ‬أو‭ ‬انتقال‭ ‬روتيني‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬انتقال‭ ‬رمزي‭ ‬مدهش‭ ‬بين‭ ‬الأزمنة،‭ ‬ورحلة‭ ‬بصرية‭ ‬تكسر‭ ‬القوالب‭ ‬النمطية‭ ‬لتضعك‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬متجدد‭. ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬من‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تلامس‭ ‬فيها‭ ‬قدماك‭ ‬“مطار‭ ‬البحرين‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد”،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬بوابة‭ ‬عبور،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬“بيان‭ ‬معماري”‭ ‬يزاوج‭ ‬بين‭ ‬الرحابة‭ ‬والفخامة‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬لافت‭. ‬هناك،‭ ‬تلمس‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬رفيعة‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬انسيابية‭ ‬الإجراءات،‭ ‬ونظافة‭ ‬تعكس‭ ‬انضباطاً‭ ‬عالياً،‭ ‬لكن‭ ‬الأثر‭ ‬الأعمق‭ ‬يتركه‭ ‬ذلك‭ ‬اللطف‭ ‬الفطري‭ ‬لموظفي‭ ‬الجوازات؛‭ ‬ترحيب‭ ‬هادئ‭ ‬وابتسامة‭ ‬واثقة‭ ‬تمنحك‭ ‬إحساساً‭ ‬فورياً‭ ‬بأنك‭ ‬في‭ ‬بلد،‭ ‬وإن‭ ‬صغر‭ ‬حجمه‭ ‬الجغرافي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬روحه‭ ‬تتسع‭ ‬للجميع‭.‬

توازن‭ ‬العمران‭ ‬والطبيعة

من‭ ‬بوابة‭ ‬المطار‭ ‬نحو‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭ ‬المنامة،‭ ‬تتكشف‭ ‬ملامح‭ ‬“البحرين‭ ‬الحديثة”‭ ‬كلوحة‭ ‬رسمت‭ ‬بدقة‭. ‬شوارع‭ ‬عريضة‭ ‬منظمة‭ ‬تحفها‭ ‬أشجار‭ ‬النخيل‭ ‬والمساحات‭ ‬الخضراء،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬جمالية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬وعياً‭ ‬بيئياً‭ ‬متقدماً‭ ‬يوازن‭ ‬بذكاء‭ ‬بين‭ ‬حرارة‭ ‬الأسفلت‭ ‬وبرودة‭ ‬الظل،‭ ‬وبين‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬وحماية‭ ‬الطبيعة‭. ‬تنساب‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭ ‬بهدوء‭ ‬يغيب‭ ‬عنه‭ ‬الضجيج‭ ‬المعتاد‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬بينما‭ ‬ترتفع‭ ‬ناطحات‭ ‬السحاب‭ ‬الزجاجية‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬كإعلان‭ ‬بصري‭ ‬صريح‭ ‬عن‭ ‬طموح‭ ‬اقتصادي‭ ‬يتجاوز‭ ‬محدودية‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬مؤكداً‭ ‬سعي‭ ‬المملكة‭ ‬لتكريس‭ ‬مكانتها‭ ‬كمركز‭ ‬مالي‭ ‬وسياحي‭ ‬ولوجستي‭ ‬حيوي‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنطقة‭.‬

سحر‭ ‬“دلمون”‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬المنامة

لكن‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بسرد‭ ‬قصة‭ ‬الحداثة‭ ‬والزجاج،‭ ‬بل‭ ‬تهمس‭ ‬بتاريخها‭ ‬العريق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭.

فبمجرد‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬أزقة‭ ‬المنامة‭ ‬القديمة،‭ ‬وتحديداً‭ ‬“سوق‭ ‬المنامة”‭ ‬الشعبي،‭ ‬يعود‭ ‬بك‭ ‬الزمن‭ ‬خطوات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭. ‬هناك،‭ ‬تتشابك‭ ‬روائح‭ ‬البخور‭ ‬والبهارات‭ ‬لترسم‭ ‬مشهداً‭ ‬حسياً‭ ‬كثيفاً،‭ ‬حيث‭ ‬تتراص‭ ‬أكوام‭ ‬التوابل‭ ‬الملونة‭ ‬بجانب‭ ‬الأقمشة‭ ‬الحريرية‭ ‬والمشغولات‭ ‬اليدوية‭ ‬والذهب‭ ‬الإبريز‭. ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مضمار‭ ‬للتجارة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬“ذاكرة‭ ‬حية”‭ ‬تجسد‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬كملتقى‭ ‬للحضارات‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬“دلمون”،‭ ‬والتي‭ ‬شكلت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬شبكات‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭.‬

هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬يمتد‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬المائدة‭ ‬البحرينية،‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬مرآة‭ ‬للهوية‭ ‬وتنوع‭ ‬التأثيرات‭. ‬فبينما‭ ‬يمكنك‭ ‬تذوق‭ ‬أطباق‭ ‬“المحمر”‭ ‬و”المجبوس”‭ ‬والأسماك‭ ‬الطازجة‭ ‬في‭ ‬مطاعم‭ ‬عائلية‭ ‬دافئة‭ ‬تنبض‭ ‬بروح‭ ‬الخليج،‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬المطاعم‭ ‬العالمية‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬الواجهات‭ ‬البحرية،‭ ‬حيث‭ ‬تمتزج‭ ‬النكهات‭ ‬الدولية‭ ‬بالمشهد‭ ‬الحضري،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬تعكس‭ ‬انفتاح‭ ‬البحرين‭ ‬الثقافي‭ ‬الواعي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يفقدها‭ ‬خصوصيتها‭ ‬المحلية‭.‬

 

“نادي‭ ‬الخريجين”‭: ‬منصة‭ ‬الوعي‭ ‬المدني

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬تجليات‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يبرز‭ ‬“نادي‭ ‬الخريجين”‭ ‬كصرح‭ ‬ثقافي‭ ‬واجتماعي‭ ‬فريد‭. ‬إنه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬نادٍ؛‭ ‬فهو‭ ‬فضاء‭ ‬جامع‭ ‬للأجيال،‭ ‬يضم‭ ‬مكتبة‭ ‬غنية‭ ‬لعشاق‭ ‬الفكر،‭ ‬ومقاهي‭ ‬ومطاعم‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬صالونات‭ ‬للحوار‭ ‬والنقاش‭ ‬العام‭. ‬وباعتباره‭ ‬مكاناً‭ ‬يقدم‭ ‬خدماته‭ ‬بأسلوب‭ ‬منظم‭ ‬ومحترم،‭ ‬فإنه‭ ‬يمثل‭ ‬خياراً‭ ‬سياحياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الابتذال‭. ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النادي‭ ‬هي‭ ‬إعلان‭ ‬انتماء‭ ‬لمجتمع‭ ‬مدني‭ ‬نشط،‭ ‬يحتفي‭ ‬بالتفوق‭ ‬العلمي‭ ‬والمناسبات‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬رمزاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬للحياة‭ ‬المدنية‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭.‬

حوارات‭ ‬“البلاد”‭: ‬استراتيجية‭ ‬المستقبل

في‭ ‬مقر‭ ‬صحيفة‭ ‬“البلاد”،‭ ‬ينتقل‭ ‬الانطباع‭ ‬السياحي‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬فخلال‭ ‬نقاشات‭ ‬صريحة،‭ ‬تتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬البحرينية‭ ‬لمواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬ضرورة‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬القطاعات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والمالية‭. ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬ملف‭ ‬“التعليم”‭ ‬بوصفه‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر؛‭ ‬حيث‭ ‬الحاجة‭ ‬لثورة‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬والتدريب‭ ‬لبناء‭ ‬“اقتصاد‭ ‬معرفي”‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬عالمياً‭. ‬ولم‭ ‬تغب‭ ‬القضايا‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية‭ ‬عن‭ ‬المشهد،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬حتمية‭ ‬التكامل‭ ‬الخليجي‭ ‬لمواجهة‭ ‬المخاطر‭ ‬المشتركة‭.‬

اللافت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬الفكري‭ ‬أن‭ ‬سؤال‭ ‬“الهوية”‭ ‬حاضر‭ ‬بقوة؛‭ ‬فمشاريع‭ ‬ترميم‭ ‬قلعة‭ ‬البحرين،‭ ‬وإحياء‭ ‬الأسواق،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أنشطة‭ ‬تراثية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أدوات‭ ‬استراتيجية‭ ‬لحماية‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬الجارف‭. ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬البحريني‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الجذور،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬قراءتها‭ ‬وتوظيفها‭ ‬لبناء‭ ‬غدٍ‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭.‬

الخاتمة

هكذا‭ ‬هي‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم؛‭ ‬دولة‭ ‬برهنت‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬دون‭ ‬جذور،‭ ‬وأن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يصنعه‭ ‬الإسمنت‭ ‬والزجاج‭ ‬وحدهما،‭ ‬بل‭ ‬تصنعه‭ ‬الذاكرة‭ ‬والوعي‭. ‬إنها‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬بملء‭ ‬الفيه‭: ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نعانق‭ ‬السماء‭ ‬بناطحات‭ ‬السحاب،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬أقدامنا‭ ‬مغروسة‭ ‬في‭ ‬تراب‭ ‬“دلمون”‭ ‬العظيم‭.‬

 

رجل‭ ‬أعمال‭ ‬من‭ ‬عمان‭ ‬