الهدر البشري الأكاديمي في جامعة البحرين
| د. شمسان المناعي
إن الجامعة الفاعلة بالمجتمع تسهم في تحقيق استدامة الخبرة الأكاديمية، والاستفادة من الطاقات البشرية المتقاعدة، وعند تقاعد أعضاء هيئة التدريس ففي كثير من الأحيان يبقى عضو التدريس في قمة عطائه؛ فعدد كبير منهم يتمتع بخبرة تمتد عقودا في تخصصات استراتيجية لا يمكن تعويضها، ويتمتعون بمعرفة عميقة بسياق مملكة البحرين، ولديهم قدرة على الربط بين النظرية الأكاديمية والتطبيق المجتمعي، كما لديهم سجل مهني مميز في التدريس والبحث والاستشارات وصنع السياسات، وكل ذلك يجعلهم موردا بشريا عالي القيمة لا يجوز إهماله في ظل التحديات المجتمعية المتسارعة.ولقد أكد مشروع البحرين الاقتصادي ورؤية البحرين 2030 أن الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وأن الجامعة والبحث العلمي يمثلان محركا رئيسا لتحقيق تنمية رأس المال البشري، وتحسين جودة التعليم، ودعم اتخاذ القرار القائم على الأدلة، وربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات التنمية الوطنية؛ فالمتقاعدون يعدون عنصرا محوريا في تحقيق رؤية 2030 من نواحٍ عدة، منها المجال البحثي، والاستشارات، وخبرات تقييم السياسات، فتحقيق رؤية البحرين 2030 لا يتطلب فقط شبابا مؤهلين، بل يحتاج أيضا إلى عقول خبيرة قادرة على توجيه البحث العلمي نحو الأولويات الوطنية، وهو ما تمثله كفاءات أعضاء هيئة التدريس، ولاسيما المتقاعدين منهم. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من خبرة الجامعات الأخرى، حيث تقيم على سبيل المثال لا الحصر جامعة ستانفورد تجمعا للمتقاعدين من الأساتذة والعاملين بدعم من الإدارة العليا للجامعة، وتهدف المبادرة للحفاظ على تواصلهم وتقديم فرص للمشاركة في الخدمات المجتمعية والتعليم غير الرسمي. أما جامعة هارفارد فتمنح لقب أستاذ فخري للأكاديميين المميزين عند التقاعد ويسمح لهم بالاحتفاظ بالعلاقة الأكاديمية مع الجامعة، ويمكن لهؤلاء الأساتذة الاستمرار في المشاركة الأكاديمية حسب احتياجات الأقسام؛ حيث تتيح لهم تدريس مقرر واحد سنويا قابلا للتجديد مع تعويضات متفق عليها، وبالإطار نفسه فقد خرجت توجيهات رسمية من وزارة التعليم العالي العراقية تشدد على الإفادة من خبرات الأساتذة المتقاعدين في التخصصات النادرة، وشملت تلك التوجهات تمديد خدمات المتقاعدين أو استقطابهم كأساتذة متمرسين لتدريس تلك التخصصات، وتطوير مهارات طلبة الدراسات العليا والمشاركة في مناقشات علمية متقدمة، بينما في جامعة البحرين تغيب سياسة الأستاذ الفخري للأعضاء المتقاعدين، وقد أوقفت الجامعة الاستعانة بالمتقاعدين المتعاونين بعقود مؤقتة لمساعدة الجامعة في التدريس أو الأعمال الأكاديمية لأسباب قانونية مرتبطة بجمع المعاش مع أجر جديد. ونظرا لتمتعهم بالعديد من الكفاءات المهنية والشخصية فيمكن استثمار طاقات أعضاء هيئة التدريس في الجامعة من خلال الإرشاد الأكاديمي والمهني لطلبة الدراسات العليا، والمشاركة الأكاديمية في المحاضرات في بعض المقررات أو النقاشات العلمية، خصوصا في الموضوعات المتخصصة، والمساهمة في البحث العلمي ونشر المعرفة، حيث يستطيعون الاستمرار في المشاركة بالبحث العلمي، ويمكن أن يكون لهم دور في المشاركة بمبادرات لخدمة المجتمع المحلي من خلال تقديم دورات تدريبية قصيرة أو محاضرات عامة حول مختلف الموضوعات العلمية والثقافية للمجتمع. ويمكن كذلك أن تستفيد الجامعة من أعضاء هيئة التدريس المتقاعدين من خلال التعاون بعقود مؤقتة وورش عمل ومحاضرات كمحاضرة ضيف، وفي الاستشارات البحثية والإشراف العلمي، ويتطلب ذلك المرونة في تطبيق القوانين وإعداد لوائح جديدة للاستفادة من أعضاء هيئة التدريس من مثل أستاذ زائر، وتطوير عقود استشارية مرنة لا تتعارض مع قوانين التقاعد، وتنظيم قاعدة بيانات للمتقاعدين حسب التخصصات والخبرة، وإشراك المتقاعدين في مشاريع بحثية وورش تطوير مهني. إن استثمار طاقات هؤلاء المتقاعدين يعزز جودة التعليم داخل الجامعة، ونقل الخبرة الأكاديمية إلى الأجيال الجديدة، ودعم البحوث العلمية والتطوير، وزيادة تواصل الجامعة مع المجتمع والمنظمات المهنية وتحسين صورة الجامعة كمؤسسة تقدّر الخبرة وتستفيد منها، وفي مقابل ذلك يمكن أن يحصل أعضاء هيئة التدريس على مكافآت رمزية أو عقود جزئية، أو شهادات تقدير وأوسمة أكاديمية، وتوفير مكاتب مشتركة أو منصات إلكترونية. الخلاصة.. يمكن القول إن المتقاعدين تحديدا يتمتعون بخبرة عملية عميقة واستقلالية فكرية وحكمة مهنية ناضجة، ولا يخضعون لضغوط الترقية أو النشر، ولديهم قدرة على العمل الإرشادي والاستشاري، ويتمتعون بفهم واقعي لاحتياجات المجتمع البحريني.. فأعضاء هيئة التدريس المتقاعدون ليسوا عبئًا إداريًا، بل هم كفاءات وطنية جاهزة للمساهمة في حل مشكلات المجتمع ودعم التنمية المستدامة إذا ما أتيحت لهم الأطر النظامية المناسبة. وبناء على ذلك فإنني أوصي بإنشاء سجل وطني للكفاءات الأكاديمية المتقاعدة حسب التخصص، وربط هذا السجل باحتياجات الوزارات والمدارس والمؤسسات المجتمعية والمستشفيات، واستثمارهم عبر استشارات وبرامج تدريب وإشراف وتدريس وبحث وإرشاد واستشارة.