“Gaming 100”.. حين يدخل اهتمام الجيل الجديد إلى الفصل الدراسي
| د. نجيب الغربال
لم تعد الألعاب الإلكترونية حبيسة الشاشات وغرف الترفيه، ولا مجرد هواية يمارسها الطلبة بعد انتهاء اليوم الدراسي، بل بدأت تشق طريقها اليوم إلى قلب الفصل الدراسي بوصفها معرفة منظمة ومجالا تعليميا له أبعاده التربوية والاقتصادية. طرح مقرر Gaming 100 يفتح نقاشا أوسع حول كيفية تفاعل التعليم مع اهتمامات الجيل الجديد، وحدود تحويل ما اعتاد المجتمع اعتباره ترفيها إلى أداة تعلم وبناء مهارات، في لحظة تتغير فيها طبيعة التعليم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، خصوصا في ظل التحول الرقمي الذي يشهده التعليم في مملكة البحرين. شهد التعليم بالسنوات الأخيرة محاولات متعددة لمواكبة التحولات الرقمية، إلا أن كثيرا منها ظل يدور في إطار الأدوات لا في جوهر الفكرة التعليمية نفسها. إدخال مقرر Gaming 100 ضمن المنظومة المدرسية يمثل انتقالا مختلفا، لأنه لا يتعامل مع التقنية كوسيط تعليمي فحسب، بل يقترب من عالم الطلبة واهتماماتهم اليومية، محاولا إعادة صياغتها في قالب معرفي منظم. هنا لا يكون السؤال عن جدوى استخدام الألعاب في التعليم فقط، بل عن قدرة المنهج الدراسي على قراءة الواقع الاجتماعي والاقتصادي للجيل الجديد، والتفاعل معه بوعي تربوي متزن. ويمثل مقرر Gaming 100 تحولا في طريقة التفكير بالمناهج الدراسية، بوصفه أحد نماذج تحديث المناهج التعليمية في البحرين، إذ لا يقدّم الألعاب الإلكترونية بوصفها نشاطا جانبيا، بل كمجال معرفي متكامل ذي أبعاد اقتصادية ومسارات مهنية واعدة. هذا التحول يعكس وعيا متزايدا بأن التعليم لم يعد معنيا فقط بنقل المعرفة التقليدية، بل بإعداد الطلبة لفهم الصناعات الناشئة التي تشكل جزءا من الاقتصاد العالمي المعاصر. إدراج هذا المقرر يعني أن المدرسة لم تعد منفصلة عن التحولات التي يعيشها الطلبة خارج أسوارها، بل أصبحت مساحة لإعادة تنظيم هذه التحولات وتحويلها إلى تعلم هادف، بما يضيف بعدا تعليميا جديدا على مستوى دول الخليج العربي. لكن الانتقال من الاعتراف بأهمية هذا التحول إلى فهم أثره الفعلي يتطلب التوقف عند سؤال أعمق: ماذا يعني إدراج الألعاب الإلكترونية في المنهج المدرسي من حيث القيمة التعليمية الحقيقية، لا من حيث الجاذبية المؤقتة فقط؟ فنجاح أي مقرر جديد لا يُقاس بقربه من اهتمامات الطلبة وحدها، بل بقدرته على تحويل هذا الاهتمام إلى معرفة ومهارة ومنهج تفكير منظم، ينسجم مع أهداف التعليم ويخدم احتياجات المجتمع والاقتصاد معا. يتجاوز أثر مقرر Gaming 100 حدود الطلبة ليطال المنظومة التعليمية وسوق العمل معا، إذ يفتح مسارا جديدا أمام المعلمين أنفسهم، سواء من خلال تطوير مهاراتهم الحالية أو الانتقال إلى أدوار تعليمية مستحدثة تتطلب فهما لصناعة الألعاب، والتقنيات المرتبطة بها، وأساليب التعليم التطبيقي. كما يواكب هذا التوجه التحولات التي يعيشها المجتمع اليوم، حيث تتنامى وظائف مرتبطة بالمحتوى الرقمي، والتصميم، والبرمجة، والمجتمع الافتراضي، وهي مجالات لم تكن حاضرة في التعليم المدرسي التقليدي، وترتبط مباشرة بوظائف المستقبل والاقتصاد الرقمي في البحرين. بهذا المعنى، لا يكتفي المقرر بتوسيع خيارات التعلم، بل ينعكس على مسارات العمل داخل المدرسة، ويفتح فرصا مهنية وريادية جديدة خارج المدرسة، بما ينسجم مع واقع اقتصادي جديد يتشكل بالفعل، قائم على الصناعات الرقمية، والمهارات المستقبلية. ويمكن النظر إلى مقرر Gaming 100 بوصفه نقطة اتصال مستقبلية مع مؤسسات التعليم العالي، لا مجرد تجربة معزولة في التعليم المدرسي. فتعرّف الطلبة مبكرا على صناعات رقمية ناشئة، مثل صناعة الألعاب، قد ينعكس لاحقا على توجهاتهم الأكاديمية واختياراتهم الجامعية، بما يدفع مؤسسات التعليم العالي إلى تطوير برامج وتخصصات مرتبطة بهذه المجالات، بما ينسجم مع توجهات التعليم العالي في البحرين. هذا الامتداد الطبيعي بين التعليم المدرسي والجامعي يفتح بدوره مجالا لزيادة الطلب على الكفاءات الأكاديمية والتدريسية المتخصصة، ويسهم في خلق فرص توظيف جديدة داخل منظومة التعليم نفسها. ومع تراكم هذا الأثر، يمكن أن يتحول التعليم إلى إحدى أدوات معالجة تحديات سوق العمل، عبر مواءمة المخرجات التعليمية مع احتياجات الاقتصاد الرقمي، بما يدعم جهود الحكومة في التعامل مع هذا الملف المهم. غير أن نجاح مقرر Gaming 100 لا يرتبط بالفكرة وحدها، بل بمدى تهيئة البيئة التعليمية القادرة على استيعابه وتنفيذه بكفاءة. فهذا النوع من المقررات يتطلب مختبرات مجهزة، وبرمجيات متخصصة، وبيئة تعليمية تسمح بالتجربة والتطبيق العملي، إلى جانب دراسة أعداد الطلبة في الفصل الواحد بعناية من قبل الجهات المعنية، نظرا لما يتطلبه هذا النوع من المقررات من جهد تدريسي ومتابعة مستمرة مع كل طالب. وفي المقابل، تبرز قيمة مضافة واضحة لهذا التوجه، إذ يدفع نحو تطوير البنية التحتية لجميع المدارس، بما يعزّز انتقالها ضمن نموذج مدارس المستقبل، ويُسهم في زرع أفكار جديدة لدى الطلبة حول تخصصات ومسارات مهنية لم تكن مطروحة سابقا. وعلى المدى البعيد، قد يفتح هذا المسار المجال لإعادة التفكير في التصنيفات التعليمية التقليدية، وظهور مسار تعليمي مستقل مرتبط بالبرمجيات والصناعات الرقمية، إلى جانب المسارات المعروفة، بما يشير إلى تحوّل تدريجي في طريقة بناء الخيارات التعليمية أمام الطلبة، وربطها بواقع المهارات التي يفرضها سوق العمل الجديد. في المحصلة، يعكس طرح مقرر Gaming 100 تحوّلا أعمق في فلسفة التعليم المدرسي، يقوم على فهم ما يعيشه الطلبة فعليا وتحويله إلى تعلم منظم ذي قيمة معرفية ومهنية. لذلك، فإن نجاح هذا النوع من المبادرات لا يُقاس بحداثة الفكرة وحدها، بل بقدرتها على الاندماج ضمن منظومة تعليمية واضحة المعالم، تراعي جودة التنفيذ، ودور المعلم، وبيئة التعلم، وتوازن بين الابتكار وجودة التطبيق، بما يفتح المجال تدريجيا لبناء ممارسات ريادية داخل البيئة المدرسية. وعندما يُدار هذا التحول بوعي، ضمن منظومة قيادة تعليمية قادرة على الربط بين الرؤية والتنفيذ، يصبح التعليم أداة فاعلة لتهيئة الأجيال القادمة لفهم واقعها المتغير، وبناء خياراتها المستقبلية على أسس معرفية مرتبطة بحاجات المجتمع، ومتطلبات سوق العمل المتغير. التعليم لا يغيّر المستقبل بالشعارات، ولا بالقرارات وحدها، بل بقناعة تُترجم هذه القرارات إلى ممارسة، وبالقدرة على قراءة ما يعيشه الجيل الجديد، وتحويل هذه التجربة إلى معرفة، ومهارة، ومسار حياة قابل للبناء والاستمرار. ويبقى الاهتمام المستمر بالمعلم ركيزة أساسية في أي تحول تعليمي، بوصفه العنصر الذي يصنع الأثر الحقيقي، ويبني الأجيال القادمة. فهل نحن كمجتمع مستعدون لمواكبة هذا التحول التعليمي، ودعم ما يتطلبه من تغيير في التفكير والممارسة؟
أكاديمي وكاتب بحريني