إيران.. بين مأزق الآيديولوجيا ومعضلة واشنطن
| أحمد جعفر
لن تكون إيران قادرة على الاستعانة بأدواتها التقليدية في طريقة التعامل مع المظاهرات الأخيرة التي تلاشت على ما يبدو، أو حتى أية حركة احتجاجية مستقبلية أضحى مطلبها الرئيس إسقاط النظام. ويعود ذلك لاعتبارات عدة، بما في ذلك العجز عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات المجتمع المعيشية، ما أدى إلى تآكل عميق في شرعية النظام، وهي شرعية كانت أصلًا مهزوزة قبل موجة الاحتجاج الأخيرة التي اندلعت من بازار طهران الكبير. بالنسبة للنظام، فإن المأزق الحقيقي لا يقتصر على غضب الشارع جراء الاقتصاد المنهار، بل يكمن في بنية السلطة نفسها؛ فالمرشد الأعلى - صاحب القول الفصل - والحرس الثوري وقاعدة النظام العقائدية لا يملكون رفاهية الخروج الآمن من البلاد إذا ما استدعت الحاجة لذلك. هذه حقيقة تجعل المرشد وكبار عناصر الحرس الثوري يعملون على التمسك بالسلطة بأي ثمن، حتى لو كانت تلك الكلفة تآكل الدولة نفسها. وبالتالي، فإن تغيير الآيديولوجيا بات شرطًا وحيدًا لبقاء النظام الإسلامي في طهران، فالإصرار على المنظومة الحالية التي تعطي الأولوية للمشروعات الخارجية على رفاه الداخل، يعني عمليًا أن مصير النظام قد حُسم بالفعل، حتى لو استغرق الانهيار الكامل سنوات قادمة لا أشهرا. وهنا، تظهر الانقسامات داخل النخب الحاكمة بين تيار يرى أن الانخراط مع واشنطن، ولو عبر تضحيات مؤلمة، بات ضرورة استراتيجية للبقاء، وبين تيار متشدد يرفض أي شكل من أشكال المفاوضات على اعتبار أنها مساومة تفضي لتنازلات تجعل الدولة تبدو ضعيفة.
هذه الانقسامات التي بدأ بعضها يطفو للعلن مؤخرًا، إلى جانب الشعور المتزايد بأن النظام يواجه معركة وجودية، ترفع احتمالات سوء التقدير والمغامرة؛ فمن يعتقد أنه يقاتل من أجل البقاء قد يصبح أكثر قابلية لاتخاذ قرارات غير تقليدية، عبر تصعيد غير محسوب ربما يذهب بالمنطقة بأكملها نحو سيناريوهات خطيرة. لكن المفارقة أن التدخل الأميركي الذي يلوح في الأفق، لاسيما حين يكون عبر عملية محدودة، قد يمنح طهران فرصة لإعادة لملمة صفوفها داخليًا؛ لأن الضغط الخارجي يغذي السردية الكلاسيكية للنظام بوصفه “حامي إيران” في مواجهة “الشيطان الأكبر”، ما يعزز تماسك القاعدة الجماهيرية للنظام - وهم بالملايين - بدلًا من إضعافها. لذلك، تبدو المعضلة الأميركية في التعامل مع ملف إيران أكثر تعقيدًا أيضًا؛ فالمقاربة الأميركية لهذه القضية أمام اختيار سيئ وآخر أسوأ وقد يكون كارثيًا. إن إسقاط النظام بالقوة، وهي نتيجة تتطلب عملية عسكرية ضخمة، بما يشمل التدخل البري غير المرغوب فيه من قبل واشنطن، أو حتى عملية محدودة تهدف لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي كما ألمح الرئيس ترامب، لن يؤدي إلى مستقبل واضح للبلاد في ظل تشرذم المعارضة وعدم وجود بديل واضح، ما يفتح المجال لفوضى خلاقة تتجاوز المحيط الإيراني نفسه لتشمل المنطقة في بلد مترامي الأطراف. إن السيد الخامنئي ليس مجرد رأس نظام سياسي في إيران؛ بل هو رمز ديني يحظى باحترام من قبل ملايين الشيعة حول العالم؛ ولذا فإن أي استهداف مباشر لهذا القائد سيحول الأزمة من صراع سياسي إلى صدام ديني واسع النطاق، ما يزيد كلفة هذه العملية إذا لم تكن محسوبة بدقة. ويتمحور جوهر القضية اليوم حول سؤال واحد: هل سيقبل النظام الإيراني - وتحديدًا المرشد الأعلى - بإعادة صياغة ثوابته الآيديولوجية، بما في ذلك طلبات الولايات المتحدة بالتنازل عن تخصيب اليورانيوم داخل البلاد، والتخلي عن الصواريخ التي لديها قدرة الوصول لإسرائيل، وإيقاف الدعم للجماعات الموالية لها في المنطقة؟! إنه سؤال مفتوح يحدد مصير الشرق الأوسط برمته دون أن يقتصر على حدود إيران. لطالما يذكرنا التاريخ بأن أنظمة كثيرة لم تسقط لأنها هُزمت عسكريًا، بل لأنها عجزت عن التكيف في اللحظة الحاسمة كما هو الحال لدى الاتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينيات، فيما تبقى المراجعة الآيديولوجية في طهران ضرورة للبقاء. وفي المقابل، تقف واشنطن أمام معضلة لا تقل تعقيدًا عن عقدة النظام الإيراني الذي بات يملك خيارات صفرية للمراوغة: كيف تضغط الولايات المتحدة على نظام يعيش أضعف لحظاته من دون أن تتورط في فوضى اليوم التالي. وفي هذا السياق، يبدو أن الصبر الاستراتيجي والضغط المتراكم عبر العقوبات الخانقة، والردع الصريح بالحشود العسكرية، تظل خيارات أكثر واقعية من وهم “الحل الحاسم” السريع الذي يتحدث عنه ترامب؛ فإيران ليست فنزويلا يمكن إنهاء رأس النظام بضربة واحدة، بل إن هذه المسألة يفترض أن تُدار على المدى الطويل إلى أن يقرر النظام نفسه أي طريق يريد أن يسلك.
كاتب بحريني