ما يبقى بعد الرحيل

| د. بثينة خليفة قاسم

قد لا تجمعنا الحياة دائمًا بمن نقرأ أسماءهم في لحظات الوداع، ولا تتيح لنا فرصة اللقاء المباشر أو المعرفة الشخصية. غير أن الوطن هو من يصنع هذا الشعور الجامع، فيحوّل الغياب إلى حالة عامة لا تخص فردًا بعينه. خلال الفترة الماضية ودّعت مملكة البحرين اسمين من رجالاتها، اختلفت مساراتهما، لكن أثر كلٍّ منهما في مجاله، إنسانيًا ومهنيًا، تجاوز حدود التخصص. هنا لا يكون الحزن حزن علاقة، بل حزن قيمة؛ لأن الفقد يطول أثرًا استقر في الذاكرة الوطنية ضمن مجالين مختلفين. الدكتور فيصل جعفر المحروس، استشاري طب الأسرة وأمراض السكري: اختار الدكتور فيصل جعفر المحروس تخصصًا يقوم على المتابعة الطويلة، والعمل الوقائي، وبناء الثقة بين الطبيب والمريض وأسرته. تعامل مع الأمراض المزمنة بوصفها مسارًا حياتيًا يحتاج إلى تثقيف ووعي ومرافقة مستمرة، لا زيارة طبية عابرة. وكان من الروّاد في تأسيس عيادات السكري بالمراكز الصحية، ومن أوائل الأطباء البحرينيين الذين شدّدوا على دمج التثقيف الصحي في منظومة الرعاية. سيُستعاد اسمه بوصفه استشاريًا أسهم بعمق في ترسيخ مفهوم الرعاية الصحية المتكاملة، واضعًا الإنسان في صدارة النظام الصحي، ومخلّدًا بسيرته قيم الهدوء والانضباط والتفاني بعيدًا عن الأضواء والمظاهر. محمد القطان، الجناح الطائر لنادي العربي بالحورة: وفي ميدانٍ آخر، ودّعت البحرين محمد القطان، الجناح الطائر لنادي العربي بالحورة، وأحد نجوم لعبة شكّلت هوية جيلٍ كامل. كان جزءا من حقبة جعلت الرياضة مساحة جامعة للمتعة والانتماء، حيث جسّد روح الفريق، وأسهم في تحقيق البطولات، وعُرف بالانضباط في الأداء، ولم تكن أهميته محصورة في إنجازاته، بل في الصورة التي قدّمها للاعبٍ يقدّم قيم اللعبة قبل أرقامها، ويمنح الانتماء معنى دائمًا. لا يزال اسمه حاضرًا في الذاكرة الرياضية، في الصور القديمة، وفي أحاديث المشجعين، بوصفه واحدًا من أبناء جيلٍ رسم ملامح كرة القدم البحرينية.

البحرين لا تنسى أبناءها في مثل هذا الفقد، لا تتقدّم الكلمات على المعنى، ولا تسعى لتخفيف الغياب، بل للاعتراف به. إن غياب طبيب مخلص مع الناس، ورياضي أسعد جيلًا بأكمله، يذكّرنا بأن الأوطان تُبنى عبر قطاعات متعددة، وبسواعد أشخاص أدّوا أدوارهم بإخلاص، ثم ودّعوا الوطن. هو وداعٌ يحمل حزنًا عميقًا، لكنه في الوقت ذاته شهادة امتنان لعطاءٍ لم يكن عابرًا، عطاء تبقى ذكراه؛ لأن البحرين لا تنسى أبناءها الذين خدموها بأمانة.

كاتبة وأكاديمية بحرينية