الصمت.. مساحة للشائعات
| عباس العماني
تؤكد التجربة العامة أن واحدا من أبرز التحديات في التعاطي مع بعض المبادرات أو القوانين أو المقترحات لا يتعلق بجوهرها أو نواياها، بقدر ما يرتبط بأسلوب تقديمها للرأي العام. فحين تُطرح الملفات بصيغة إجمالية عامة، دون شرح كافٍ أو توضيح مبسّط، يتكوّن فراغ معلوماتي لا يبقى حياديًا، بل يتحول سريعًا إلى مساحة مفتوحة للاجتهادات والتأويلات، والتي ما تلبث أن تتضخم وتتحول إلى شائعات تضع المواطن في دائرة القلق والتساؤل.
فالشائعة في كثير من الأحيان ليست فعلًا عدائيًا مقصودًا، بل نتيجة طبيعية لغياب المعلومة الواضحة. وحين يتأخر البيان، أو يكتفي بعناوين عامة لا تُجيب عن الأسئلة الأساسية، أو يغيب الخطاب الإعلامي القادر على تبسيط الفكرة ونقلها بلغة مفهومة، فإن المجال يُترك مفتوحًا لروايات متعددة، بعضها نابع من حسن نيّة، وبعضها الآخر يستثمر في الغموض والارتباك، ومع مرور الوقت تتساوى الحقيقة مع التأويل، وتتحول المعلومة الناقصة إلى “احتمال” ثم إلى قناعة متداولة.
المواطن في الواقع، لا يطالب بتفاصيل فنية دقيقة أو شروحات قانونية معقدة قد لا تمسّ حياته اليومية، بقدر ما يبحث عن رواية واضحة ومباشرة، تجيب عن الأسئلة الجوهرية وتمنحه إحساسًا بالاطمئنان. وعندما لا تتوافر هذه الرواية في وقتها المناسب، فإن الفراغ لا يبقى قائمًا طويلًا؛ بل يُملأ بإجابات يصنعها الشارع، ولو جاءت في صورة استنتاجات غير مكتملة أو معلومات مغلوطة.
إن الصمت أو التأخر في التوضيح لا يُقرأ دائمًا بوصفه إجراءً تنظيميًا أو فنيًا، بل قد يُفهم - في وعي الناس - على أنه تردد. ومع تكرار هذه الحالات، يتحول أي توضيح لاحق مهما بلغت دقته، إلى موقف دفاعي، بدل أن يكون مبادرة استباقية تبني الثقة وتغلق باب التأويل من بدايته. وهنا تجد بعض منصات التواصل الاجتماعي والحسابات الساعية إلى “الترند” والمشاهدات، فرصتها في تضخيم الشائعات وإعادة تدويرها.
ومع اتساع دائرة التداول، تصبح مهمة التصحيح أكثر تعقيدًا، وأكثر كلفة، وأقل أثرًا.
إن المعلومة الواضحة، في توقيتها المناسب، أداة وضمانة لاستقرار الوعي المجتمعي، وسدٌّ استباقيٌّ أمام الشائعة قبل أن تتحول إلى قناعة يصعب تصحيحها.
ولعل الرسالة الأهم هنا أن كلفة الصمت، في كثير من الأحيان، تكون أعلى بكثير من كلفة التوضيح، وأن المبادرة بالشرح لا تُضعف القرار بل تحصّنه، ولا تفتح باب الجدل بل تغلقه قبل أن يُفتح من أطراف أخرى.
كاتب بحريني