البحرين وريادة التكنولوجيا المالية
| د. نجيب الغربال
تمثل التكنولوجيا المالية (FinTech) اليوم أكثر من مجرد أدوات رقمية مضافة، فهي ثورة تعيد تشكيل أنظمة الدفع، والاقتراض، والاستثمار، وحتى المعاملات اليومية.
فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، برزت شركات ناشئة حول العالم قدّمت حلولاً مالية مبتكرة أحدثت تحولاً جذرياً في الخدمات المصرفية. من أبرزها خدمات الدفع الرقمي مثل المحافظ الإلكترونية وتطبيقات تحويل الأموال الفوري التي ألغت الحاجة إلى التعامل النقدي، ومنصات الإقراض المباشر بين الأفراد التي تربط المقرضين بالمستثمرين دون وساطة البنوك التقليدية، ما يجعل الوصول إلى التمويل أسرع وأقل كلفة. كما ظهرت أيضاً شركات التأمين التقني (InsurTech) التي تستخدم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتخصيص وثائق التأمين وتبسيط المطالبات، وهو ما ساهم في خفض التكاليف وتعزيز الشفافية في القطاع المالي.
ويكمن جوهر هذا التحول في قدرة التكنولوجيا المالية على تحقيق الشمول المالي، وهو المفهوم الذي يعني تمكين جميع فئات المجتمع من الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية مثل الحسابات المصرفية، والتمويل، والتأمين، ووسائل الدفع الرقمية بسهولة وأمان، بغضّ النظر عن الدخل أو الموقع الجغرافي. ويُعدّ الشمول المالي عنصراً محورياً في تعزيز العدالة الاقتصادية وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المصرفية، بما ينسجم مع الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة (SDG 8) المتعلق بتحفيز النمو الاقتصادي الشامل والعمل اللائق للجميع، والهدف العاشر (SDG 10) الذي يركّز على الحد من أوجه عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها.
فبفضل المنصات الرقمية مثل الإقراض المباشر، بات بإمكان المستثمرين والأفراد تبادل التمويل في بيئة أكثر مرونة وشفافية، ما يعزز الكفاءة ويقلل التكاليف ويزيد سرعة المعاملات، وهو ما يجعل التكنولوجيا المالية اليوم محركاً حقيقياً للنمو الاقتصادي وريادة الأعمال. وتتبنّى مملكة البحرين نهجاً استشرافياً جعلها في طليعة الدول الداعمة لهذا القطاع في المنطقة.
إذ أسس مصرف البحرين المركزي (CBB) وحدة متخصصة للتكنولوجيا المالية والابتكار، أطلقت أول بيئة تنظيمية تجريبية (Regulatory Sandbox) في الخليج عام 2017، لتتيح للشركات الناشئة اختبار منتجاتها في إطار منظم قبل طرحها تجارياً. كما طورت البحرين بنيتها التحتية للمدفوعات الرقمية ومنحت تراخيص للأصول المشفرة، ما جعلها وجهة مفضلة للشركات والمستثمرين الباحثين عن بيئة تجمع بين المرونة التنظيمية والأمان التشريعي.
وتُوفّر البحرين بيئة تنظيمية تجريبية مفتوحة أمام الشركات المحلية والدولية، ما يجعلها بوابة محتملة لاختبار ونمو حلول التكنولوجيا المالية قبل التوسّع إلى أسواق الخليج. ووفقاً لبيانات تمكين (Tamkeen)، فقد تضاعف عدد شركات التكنولوجيا المالية في المملكة بنسبة 100 % منذ عام 2018، ليتجاوز 120 شركة بحلول 2024، الأمر الذي يعكس نضوج السوق وفاعلية المبادرات الحكومية في بناء منظومة رقمية متكاملة.
ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن مصرف البحرين المركزي (CBB) في تقرير Fact Sheet لعام 2024، بلغت مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي نحو 17.2 %، ما يجعله أكبر قطاع غير نفطي في الاقتصاد البحريني. ويُتوقع أن تسهم التكنولوجيا المالية بشكل متزايد في رفع هذه النسبة خلال السنوات القادمة من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الابتكار في الخدمات المالية.
كما يبرز في هذا السياق دور مركز بحرين فينتك باي (Bahrain FinTech Bay) كمحرك أساس لتطوير الأعمال ودعم الابتكار المالي. ورغم أنه مؤسسة مستقلة تأسست عام 2018 بدعم من مجلس التنمية الاقتصادية (EDB) وتُدار من قبل FinTech Consortium، إلا أنه يعمل بالتنسيق الوثيق مع مصرف البحرين المركزي (CBB) وتمكين، ما يجعله أحد أهم أذرع التنفيذ في منظومة التكنولوجيا المالية بالمملكة.
ويعمل المركز على تحويل الأفكار المبتكرة التي تم اختبارها في البيئة التنظيمية لمصرف البحرين المركزي إلى مشاريع تجارية قابلة للنمو والتوسع، من خلال التوجيه والإرشاد، وذلك لبناء قدرات وكفاءات وطنية في المجال المالي الرقمي.
هذا وقد ترجم المركز رؤيته عملياً عبر تنظيم الفعاليات الدولية والمبادرات الريادية التي تجمع بين الفكر والتطبيق. وفي هذا الإطار، لعب مركز بحرين فينتك باي دوراً محورياً في استضافة فعالية FinTech Forward 2024 التي جمعت أكثر من 900 من القادة والمستثمرين من 30 دولة، وأسهمت في تعزيز مكانة البحرين كمركز إقليمي للابتكار المالي والتقني في الشرق الأوسط.
وإلى جانب النمو الاقتصادي والتطور التقني، تسهم التكنولوجيا المالية الرقمية في فتح آفاق واسعة لفرص العمل الجديدة ضمن قطاعات التحليل المالي، وإدارة البيانات، والأمن السيبراني، والتصميم التقني للمنتجات المصرفية الذكية. هذا التحول يُسهم في تقليل معدلات البطالة عبر خلق وظائف نوعية تتطلب مهارات رقمية متقدمة، وفي الوقت نفسه يجعل الكفاءات البحرينية الخيار الأول والأفضل لشغل هذه الوظائف الحساسة بفضل برامج التدريب والتأهيل المستمرة التي تقودها مؤسسات مثل تمكين ومصرف البحرين المركزي بالشراكة مع الجامعات المحلية. وبهذا، تمضي البحرين بخطى ثابتة نحو بناء رأس مال بشري رقمي يواكب التحول العالمي ويعزّز مكانة المملكة كمركز إقليمي للخبرات المالية والتكنولوجية.
ومع تزايد اعتماد البحرين على الحلول الرقمية، لا تقتصر أهمية التكنولوجيا المالية على العوائد الاقتصادية، بل تمتد إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تعزيز الشمول المالي، ودعم الابتكار الصناعي، وتشجيع الاستثمار في الحلول الخضراء والطاقة النظيفة. فالتحول الرقمي الذي تقوده البحرين لا يبني اقتصاداً رقمياً فحسب، بل يرسّخ نموذجاً تنموياً متوازناً يجمع بين النمو الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية والبيئية.
وبذلك، تتجسّد رؤية البحرين الاقتصادية 2030 في القطاع المالي الرقمي كواقع ملموس، حيث تلتقي العدالة عبر تعزيز الشمول المالي وإتاحة الفرص للجميع، والتنافسية من خلال استقطاب الابتكار والاستثمار في بيئة جاذبة، والاستدامة عبر بناء رأس مال بشري وطني قادر على مواكبة التحول الرقمي العالمي. ومع استمرار الجهود المشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات التعليم، تمضي مملكة البحرين بثقة نحو مستقبل مالي متطور، يجعل من التكنولوجيا المالية محوراً رئيسًا لتحقيق تنمية شاملة واقتصاد معرفي قائم على الابتكار والريادة.
أكاديمي بحريني