قرصنةُ المجالس!

| د. جاسم المحاري

 يُنقل عن أحد “الكتابيين” أنّه مرّ على قرية مسلمة وأراد أنْ يلقي بالشبهات على علمائها، وقد التقى راعي أغنام مسلما، فقال “الكتابيّ” في نفسه دعني أبدأ بهذا - الراعي الجاهل - وأشكّكه في دينه، فقال له: ألا ترى أنّنا كمُسلمين، نجد في حفظ القرآن مشقّة! فلماذا لا نحذف المُتشابه منه لانتفاء الفائدة وكثرة التكرار؟ وبعد ذلك الحذف، سيقلّ عدد أجزاء القرآن، وسيُسْهل علينا حفظه ومراجعته. وعندما انتهى “الكتابيّ” من كلامه، قال الراعي – الذي ظلّ كل الوقت ينصت للكتابيّ: كلامك يا هذا جميل، ولكنْ أليس في جسدك أشياء متشابهة لا فائدة منها مثلاً، كيدين اثنتين وقدمين وأذنين وعينين ومنخرين؟ فلماذا لا نقطع هذه الزيادات المتشابهة ليخُفّ وزنك ويستفيد جسمك ممّا تأكل، بدل أنْ يذهب غذاؤك لأشياء في جسدك متشابهة؟ هنا قام “الكتابيّ” فوراً وحزَمَ متاعه يجرّ أذيال الخيبة، وهو يقول: أَلْجَمَني ردّ راعي أغنامهم فكيف برد علمائهم!

من الجميل، التّعلم الحقّ فيما ينفع المرء في دنياه وآخرته، سيّما في حسن اختياره الجليس وفق ما أوصى به رسول البرايا (ص)، وهو الخَبير بأحوالِ مَعادنِ الناس في نفاستِها وخِسَّتها، وكذا هو البَصير بنبضات قلوبِهم وأرواحِهم الَّتي تَسكُنُ بيْن جَوانحِهم أوقات المخالطة في فضاءات اجتماعاتهم وفي أفنية مجالسهم التي يكتسب فيها العاقل تميّز الفضل العميم واتّصاف المكارم الخلاقة في أحوال ائتلافها عند الميل إلى جنسها واختلافها عند النفور من ضدها وسط أجواء تلك المجالس، خصوصًا الرقمية (الافتراضية) التي يلتزم فيها بالآداب بين الأقران ممّن يرغبون في مجالسته ويأنسون ملاقاته بحُسن الخطاب ووجه الرضا ولباس الانبساط ودفء الاستئناس ووثيق الوداد وحفظ الخصوصية.

إجلالًا لقيّم الاحترام والوقار وتقديرًا للخبرة والتجربة وتعزيزًا للترابط والتماسك من أجل بناء منابر للوعي الإنساني بإيجابية متوازنة وحيوية فاعلة.

نافلة: 

تُوشك المجالسة في تلك المجالس الرقمية (الافتراضية) أنْ تكون وزرًا ومنقصةً وشرًا ومضرةً - كحال ذاك الكتابيّ مع الراعي - بعدما أضحت أماكن القيل والقال، والضّياع والهدر، والسوء والشرور بعيدًا عن الصفاء والبهاء والصلاح والخير في معانيها الجميلة ومنزلتها العظيمة لتشكو بعدئذٍ “التّخمة” من آفات الحديث المُعوج ومساوئ الفعل المستكثر في عذوبة “فاكهتها” من السخرية والتحقير، والتعييب والتشهير، والجدال والخصومة، والتنابز والتفاخر، كآفة تقود إلى “قرصنة” ثناياها بقوة صوت “الأنا” المتضخم الذي يُحاول إذابة الجماعة فيها بانتقائية مفرطة للرؤى العمياء وتعطيل الفكر الطليق وحماية الصورة الزائفة.

 

كاتب وأكاديمي بحريني