هل تتحول الديمقراطية إلى آيديولوجيا خلاص؟
| كمال الذيب
في كتابه “في ثقافة الديمقراطية”، شخّص الكاتبُ جورج طرابيشي الاهتمام المتزايد بموضوع الديمقراطية في البلاد العربية بأنه قد “يؤدي، لاسيما بين المثقفين العرب، إلى تحويل الديمقراطية إلى “آيديولوجيا جديدة للخلاص”، وأن يؤدي هذا الاكتشاف المتأخر لفضيلة الديمقراطية من قبل شريحة واسعة من هذه النخبة العربية إلى إمكانية تحويلها إلى آيديولوجيا ديمقراطية بديلة عن الآيديولوجيا الثورية أو القومية المنتهية”. ومن نافلة القول عند الحديث عن الديمقراطية وعناصرها الأساسية من الناحية النظرية بأنها تتألف من العناصر التالية على الأقل: احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الرأي والتعبير وفقًا للقانون، والحق في تكوين الجمعيات وضمان التداول السلمي للسلطة وممارستها بمقتضى سيادة القانون؛ والفصل بين السلطات؛ وضمان استقلال القضاء والشفافية والمساءلة في الإدارة العامة للدولة وأجهزتها. ووفقًا لهذا التعريف المختصر فإن أغلب الدول العربية تبقى خارج قائمة الديمقراطيات الكاملة، وأن عددًا قليلًا منها يمكن اعتباره ضمن قائمة الديمقراطيات الناقصة أو الجزئية. ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري الذي غالبا ما يتم القفز عليه: “هل يمكن للديمقراطية - حتى في حال تحققها - أن تحل المشكلات المتراكمة التي تعاني منها معظم المجتمعات العربية؟ غالبًا ما ترفض بعض النخب السياسية حتى مجرد مقاربة هذا السؤال الصعب، بل وتشكك في من يطرحه، وقد يتهم بأنه معاد للديمقراطية. وفي أحسن الأحوال يكتفي البعض بالإشارة إلى المعوقات التي تقف في سبيل تحقيق الديمقراطية، وهي تحديات كبيرة وعديدة ناجمة في الغالب عن الأزمات الضاغطة الاقتصادية والاجتماعية وسوء الإدارة، وانتشار الأمية والانقسامات المجتمعية والدينية والطائفية وحتى العرقية، إضافة إلى عدم تجذر قيم التسامح والحوار داخل هذه المجتمعات وهي بالفعل عوائق أمام التحول الديمقراطي. ومع كل ذلك فإن الديمقراطية سوف تبقى العنصر الأساس الذي يمكننا من خلاله معالجة هذه المشكلات نفسها وتعزيز وحدة المجتمع، والسيطرة على الصراعات والاختلافات الاجتماعية وترسيخ قيم التسامح والتعايش والمواطنة المتساوية، وتجنيب المجتمعات المزيد من المواجهات والانقسامات التي نرى بعضها مشتعلًا في عدد من البلدان العربية. ومع كل ذلك لا يمكننا اعتبار الديمقراطية آيديولوجيا خلاص لا تقبل النقد وتدعي الكمال وامتلاك الإجابات النهائية المطلقة لكل الأسئلة الإنسانية. وذلك لأنها في الأصل منهج لإدارة الاختلاف.
*كاتب وإعلامي بحريني