واحد في المليون
| أسامة مهران
لم يكن هناك مفر من الحديث “المُر” عن الأسعار، عن ذلك التفاوت فيها، وتلك الفجوة العميقة في مستوياتها بين مكانٍ ومكان، ومن وقتٍ لآخر، لم يكن هناك مخرج طوارئ يمكن أن نتنفس من خلاله الصعداء ونحن نراقب كمستهلكين “ليس إلا” حركة أسعار السلع في الأسواق، ونحن نقوم بجولاتنا التسوقية شبه اليومية على سوق من هنا وآخر من هناك. لذلك، لم تكن المقارنة صحيحة لأنها تضع سوقنا المحدودة في مواجهة أسواق أخرى عملاقة متمتعة بما يسمى بـ”اقتصاديات الحجم الكبير”، لذا فإن الحديث عن الأسعار لا يمكن إدارة دفته إلى الوراء، ليس من بوابة “الذكرى التي قد تنفع المؤمنين”، إنما من زاوية الرصد للمعطيات، والتحليل لحالة المستهلك في الدول المتقدمة وحتى تلك الناشئة، توجد أقسام لرعاية المواطنين، لحماية المستهلكين، لدراسة أسواق السلع والمتغيرات التي تطرأ عليها من خلال غرف التجارة والصناعة، عملاً بالمبدأ القائل: “كل التجار مستهلكين في السلع التي لا تشملها تجارتهم”. في مملكة البحرين التي تتمتع بصناعة المؤسسات، وقيام الدولة الحديثة من عهد المغفور له الشيخ عيسى بن علي الكبير الذي وضع حجر الأساس لهذه الدولة العصرية المجيدة، منذ ذلك العهد والبحرين تبني وتُشيّد، وتتبنى الأفكار الخلاقة، منذ تجارة الترانزيت و”مركزنا التجاري الإقليمي العالمي”، ومنذ عصر اللؤلؤ الممهد لحركة تجارة واسعة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ارتكازًا من البحرين وانطلاقًا إليها، منذ ذلك العهد يعرف تجارنا أنه بالعِلم وحده، وبالتجربة وحدها تمكنّا من قياس معدل الاستهلاك، وأننا بالعِلم وحدة وبالتجربة وحدها استطعنا السيطرة على هذه الأسواق من خلال دراسات الأسعار ورصد حالة المستهلكين. من هنا، فإننا قد لا نستغرب تلك البحوث التي خرجت من غرف تجارة سبقتنا في “التعاطي” وهي تتحدث عن الرقابة على المستهلك وليست الرقابة على الأسعار، لكن لماذا نراقب المستهلك؟ لسبب بسيط هو أن هذا المستهلك من خلال مزاجه العام، وعن طريق عاداته الاستهلاكية، يمكننا قياس اتجاهاته في الشراء، ومدى قبوله بالأسعار السائدة في الأسواق، بل وبمستوى جودة السلع وطريقة تعامل الجهات المسئولة مع شكواه. في مملكة البحرين وللأسف الشديد لا تقوم غرفة التجارة بهذا الدور، بينما تقوم بذلك دولة الكويت واتحاد الغرف السعودية واتحاد غرف التجارة بمصر العربية، هذا الوضع يصنع ما يطلق عليه مستهلكينا بـ”التفاوت السعري الحاد” لنفس السلعة ونفس الحجم ونفس التوقيت. المشكلة في مكان الشراء، في اسم “المتجر” وموقعه وإذا ما كان يقع في “مول تجاري فخم” أم في شارع صغير أو قرية محدودة “العدة والعتاد والسكان”. لم يرصد أحد حركة التفاوت في الأسعار، ولم يبرر لنا مسؤولو ما نطلق عليها بقسم “حماية المستهلك”، السبب الوجيه الذي يجعل ذلك التفاوت” حادًا بين منفذ تجاري ومنفذ تجاري آخر، حجتهم أن ذلك ليس من اختصاصهم، وأن شكاوى المستهلكين ليست كلها على جداول اهتمامات هذا القسم بالوزارة. المشكلة ليست مستهلك يشكو، ولا في جمعية أو قسم يتجاهل ويتظاهر بعدم الاختصاص، المشكلة أن متاجر صغيرة أغلقت أبوابها وخرجت من السوق، وعربات مواد غذائية متحركة “تحركت إلى الأبد” خارج دوائر عدة مناطق بشوارع المملكة نظرًا لضعف القوة الشرائية بسبب منافسة التجار الأكبر حجمًا لهم. القاعدة تقول: إن خروج دينار واحد من السوق يهز عرش مائة دينار مستثمر على الأقل في مشاريع أكثر ضخامة وحساسية وتأثيرًا في الاقتصاد. وفي أقوال أخرى قد يصل الأثر إلى واحد في الألف وربما واحد في المليون إذا لم تتم معالجة هذه الظاهرة بالسرعة المطلوبة والكيفية التي تكبح جماح أسعار الكثير من السلع، خاصةً تلك التي ترتبط بالمواد الغذائية الأخرى ذات الاستهلاك العالي من الأسرة محدودة الدخل. السؤال ليس مزعجًا لأننا طرحناه على المدى من السنين عشرات المرات، لماذا الارتفاع العشوائي في أسعار بعض السلع؟ والجواب: على لسان البعض “نظرًا لارتفاع أسعار الوقود”، وهذا حق، لكن أيها السادة هذا حق يُراد به باطل، ذلك أن ارتفاع أسعار الوقود هو عامل وحيد من بين عدة عوامل تؤثر على حركة الأسواق، وتعمل على تغيير مزاج وتوجهات المستهلك. أيها السادة، ادرسوا هذه الظاهرة، ولا تتركوها تمر أمام أعيننا مرور الكرام، حتى يعرف كل منا ما له وما عليه.