صيدليات وسائل التواصل الاجتماعي

| د.سيد محمود القلاف

 في عصرٍ أصبحت فيه السهولة الرقمية جزءًا أساسيًّا من حياتنا اليومية، تطورت منصات التواصل مثل الانستغرام والتيك توك والسناب شات والواتساب إلى ما هو أبعد من مجرد شبكات تواصل اجتماعي، لتتحول إلى أسواق واسعة تبيع كل شيء من الأزياء إلى الطعام مرورًا بمستلزمات المنزل، إلا أن توجهًا خطيرًا بدأ بالظهور حول العالم، ومملكة البحرين ليست استثناء من ذلك، يتمثل في عرض وترويج وبيع الأدوية والمكملات الصحية عبر حسابات وسائل التواصل الاجتماعي دون إشراف طبي، أو موافقات تنظيمية، وبأدنى مساءلة قانونية. وتَعِد هذه المتاجر الرقمية بالمعجزات مثل إنقاص الوزن السريع، أو تحفيز نمو الشعر، أو تخفيف فوري لآلام مزمنة، أو تبييض سريع للبشرة مستهدفةً المستهلكين الأكثر عرضة للتأثر عبر خوارزميات معقدة لوسائل التواصل الاجتماعي. لكن خلف الفلاتر اللامعة وشهادات التجربة المبهرة (وغالبًا المزيّفة)، تكمن حقيقة قاتمة وربما شديدة الخطورة قد تؤدي إلى دفع ثمن أزمة صحية تُسلَّم إلى باب منزلك. وما بدأ كمساحات للتواصل والإبداع، تحوّل تدريجيًا إلى أسواق غير رسمية. ورغم أن هذا قد يكون مقبولًا عند شراء الملابس أو الأجهزة أو الإكسسوارات، إلا أنه يصبح أمرًا مقلقًا وخطيرًا عندما يمس صحة الإنسان وربما عقله في حالة بعض الأدوية. يعتمد بائعو الأدوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أساليب تسويقية جذابة مثل صور “قبل وبعد”، وتوصيات المؤثرين، وشهادات استخدام مبالغ فيها للترويج لمنتجات تدّعي المعجزات. وتستهدف هذه الادعاءات فئات قد تكون أكثر عرضة للتأثر، خصوصًا من يعانون من أمراض مزمنة أو عدم الرضا عن العلاجات التقليدية. لكن الدواء ليس سلعة عادية مثل الملابس أو الإكسسوارات؛ فما يدخل جسم الإنسان قد يؤثر مباشرة في أعضائه الحيوية، أو يتفاعل مع أدوية أخرى، وقد يسبب أضرارًا دائمة للصحة. والأدهى والأمر أن الأدوية المشتراة عبر وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما تكون مغشوشة أو دون المستوى المطلوب كما أفاد الباحثون. وأما فيما يتعلق بسلوك من يشترون الأدوية عبر الإنترنت فتكشف البيانات عن ما يشتريه المستهلكون بالفعل، فقد قام 55 % بشراء مسكنات أفيونية، وأن 52 % اشتروا منشطات جنسية، و30 % اشتروا مهدئات نفسية. عند شراء الأدوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يوجد أي ضمان لمصداقية المنتج؛ فأكثر من 50 % منها يكون مغشوشاً كما أسلفنا أو غير مسجّل أو تم إدخاله إلى البلاد بطرق غير قانونية. كما قد تحتوي بعض المنتجات على جرعات غير صحيحة، أو لا تحتوي على مادة فعالة أصلًا، أو تضم مواد خطرة مثل المعادن الثقيلة أو أدوية محظورة. فقد أفادت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية أنه في عام 2022 كان 60 % من الحبوب التي اختبرتها تحتوي على جرعة قاتلة من الفنتانيل وهو أحد المخدرات. أضف إلى ذلك أن ظروف التخزين والنقل مجهولة، وفي مناخ البحرين الحار، قد يؤدي التخزين والنقل غير السليمين إلى تحلّل الدواء كيميائيًا، ما يجعله غير فعال وربما ساما. كذلك فإن من أخطر الجوانب في عملية شراء الأدوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن البائعين لا يعرفون التاريخ الطبي للمشتري، فهم لا يستطيعون تقييم ما إذا كان المنتج آمنًا لمرضى السكري أو القلب أو الضغط أو للحوامل أو لمن يعانون من أمراض الكلى. كما أنهم لا يتحققون من التداخلات الدوائية أو الحساسية أو موانع الاستعمال. وقد أفاد مختصون في القطاع الصحي بزيادة حالات تلف الكبد، وعطب الكلى، وردود الفعل التحسسية الشديدة، واضطرابات هرمونية مرتبطة باستخدام منتجات تدعي أنها “عشبية” أو “طبيعية” تم شراؤها عبر الإنترنت. ويجب التنويه إلى أن كلمة “طبيعي” لا تعني بالضرورة “آمنا”. فضلًا عن ذلك، فإن تكلفة علاج المضاعفات الصحية الناتجة عن هذه الأدوية قد تفوق بكثير أي توفير مادي متخيَّل. ولضمان سلامتك وسلامة أسرتك، اتبع هذه الإرشادات الأساسية: -    تحقق من المصدر: تبدأ حماية الصحة بالاختيار الواعي، لذلك اشترِ الأدوية فقط من الصيدليات المرخصة من قبل الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية.(NHRA)  -    استخدم القنوات الرقمية الرسمية: استفد من تطبيق “صحتي” وغيره من المنصات الحكومية المعتمدة لإدارة وصفاتك الطبية واحتياجاتك الصحية، وكذلك المواقع الفعلية والصحيحة للصيدليات. -    استشر الصيدلي: الصيادلة في مجتمعنا مهنيون ذوو تدريب عالٍ، فإذا صادفت منتجًا عبر الإنترنت يثير اهتمامك، التقط صورة للشاشة واستشر الصيدلي لأخذ رأيه المهني أولًا. -    أبلغ عن الإعلانات المشبوهة: إذا صادفت حسابًا يبيع أدوية تُصرف بوصفة طبية فقط (مثل المضادات الحيوية أو الهرمونات المتخصصة) دون وصفة، فقم بالإبلاغ عنه للجهات المختصة لحماية الآخرين.     قد تكون وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا للرعاية الصحية المهنية. صحتك ليست منتجًا للتجربة بيد بائعين مجهولين يسعون للربح والمشاهدات. وإذا كان الدواء أو المكمل الغذائي يُباع دون ترخيص أو استشارة طبية أو رقابة رسمية، فهو ببساطة لا يستحق المجازفة. وتذكّر دائمًا: إذا بدا الادعاء الصحي على وسائل التواصل الاجتماعي مغريًا إلى درجة يصعب تصديقها، فغالبًا هو زائف.

أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية