عن مكارم الاخلاق: التغافل- 4

| د. بثينة خليفة قاسم

يبرز التغافل الواعي بوصفه مفهوماً أخلاقياً دقيقاً، يقوم على معرفة متى يكون الصمت أكثر حكمة من الكلام، ومتى لا يكون من الضروري التعليق على كل ما نراه أو نفهمه. 

فالتغافل أو التغابي هنا لا يعني الإهمال أو اللامبالاة، بل حسن إدارة المشاعر، وضبط ردود الفعل، واختيار ما يستحق التوقف عنده وما لا يستحق؛ فما كل ما نلحظه يستحق ان نعلق عليه، وما كل ما نفهمه جديرُ بأن يُعلن. 

يخطئ من يخلط بين التغافل والضعف، إذ ثمة فارق واضح بين من لا يرى، ومن يرى جيداً ويختار أن يتجاوز. فالتغافل ليس جهلاً، بل فائض وعي، وليس انسحاباً من المواجهة، بل قراراً واعياً بعدم الانجرار إلى ما لا طائل منه.

في الحياه اليومية، قد تتحول مواقف صغيرة إلى خلافات كبيرة لو أُعطيت أكثر مما تستحق. كلمة عابرة، تصرف غير محسوب، أو سوء تقدير بسيط، كلها أمور يمكن أن تتضخم إذا ما أُديرت بانفعال. 

ممارسة التغافل الواعي لا تبرّر الخطأ، لكنها ترفض تضخيمه، وتُبقي الأمور في حجمها الطبيعي، بما يوفر الجهد ويجنب صراعات لا ضرورة لها.

وفي إحدى المقابلات الإعلامية، أشارت الممثلة السورية المبدعه ديما قندلفت إلى أن القوة الحقيقية لا تكمن في الانفعال أو كثرة الكلام، بل في الهدوء وضبط النفس، مؤكدة أن المتغافل يملك أدوات أعمق وأصعب من ذلك الذي يستعرض عضلاته اللغوية. فالصمت حين يكون الكلام استعراضاً، والانسحاب حين يتحول الجدل إلى ضجيج، شكل من أشكال القوة لا يُتقنه الجميع.

ولعل في قول الشاعر أبو تمام ما يلخّص الفكرة بدقة : "ليس الغبي بسيّد في قومه، لكن سيّد قومه المتغابي". فالسيادة هنا ليست في رفع الصوت ولا في الإكثار من الحديث، بل في الحكمة، وحسن التقدير، ومعرفة متى يُقال الكلام ومتى يكون التجاوز أبلغ.

التغافل أو التغابي لا ينتقص من الكرامة، ولا يُخاصم الحزم، بل يعكس نضجاً إنسانياً وقدرة على وضع الحدود، والتمييز بين ما يستحق الجهد والوقت، وما يجدر تركه خلفنا دون إكتراث ، نحو مزيد من سلامنا الداخلي.

وهكذا يبقى الحديث في مكارم الأخلاق متواصلاً ، على خلق آخر، نترقبه مع القارئ قريباً.