عام الأرقام القياسية

| د. عبدالله الحواج

لعله من حسن الطالع أو من بشاشة المرتقب، أن يحل علينا العام 2026 ومعه بشائر خير، مناسبات تاريخية وأيام سعيدة. نعم.. عام 2026 الذي هو عام الشيخ عيسى بن علي الملقب بـ “عيسى الكبير”، هي ذكرى وطنية لمؤسس البحرين الحديثة، وهو تاريخ لا يمكن غض الطرف عنه، ذلك أنه يحثنا على استلهام العبر والدروس، من هؤلاء الرجال الذين لم يمتلكوا الثروة أو المال، لكنهم امتلكوا الإرادة والحافز والقدرة على البناء والقيادة والدفاع عن الحقوق المشروعة، وتأسيس الدول المعاصرة على مرتكزات تستمد قوتها وتمتلك مقوماتها من تجارب من سبقوها، ومن إنجازات الآباء والأجداد وما تحلت به العشيرة والقبيلة والمجتمع البسيط المكافح. عام عيسى الكبير، هو عام يؤكد لنا يوما بعد الآخر أن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأننا أمة محظوظة وشعب يحالفه التوفيق بعون الله؛ فإننا نشأنا في هذه الجزيرة الصغيرة وهناك قيادة حكيمة رائدة فاهمة ومدركة الصفات والشرائع التي يجب أن توفرها من أجل إرساء دعائم دولة عصرية قابلة للحياة، بالإضافة إلى أنها قادرة على مواجهة التحديات وتقلبات الطبيعة وعولمة البيئة المجدودة سكانيًا وجغرافيًا. من هنا كان لابد أن نستلهم العِبر والدروس، وأن نقرأ تاريخنا بعين فاحصة، ولا يجب أن نمر أبدًا مرور الكرام على ما تحقق من خلال دولة عيسى الكبير على الحقب والعصور. يقولون: إن 200 سنة أو أكثر ليست رقمًا في روزنامة الأبجدية، وأنا مع هذا القول كونه ينظر إلى التاريخ من حيث العدد والكم وليس من خلال الإنجازات والدعائم والكيف. إن فلسفة البناء الرأسي للبحرين “العميقة” تؤكد أن المغفور له الشيخ عيسى بن علي الكبير كان مستوعبًا للمتغيرات التي تطرأ بين الحين والآخر بعد انهيار الدولة العثمانية، ودخول دولة المماليك على خط الوجود الإقليمي للمنطقة، ثم الاستعمار البريطاني والفرنسي وما بينهما، وأن هذا الإدراك بمقوماته ومكوناته الوطنية قد ساهم في وضع حجر الأساس لدولة قائمة على التعاون واحترام الآخر، من أجل مواجهة تحدي الطبيعة وغضبة المتغيرات، تمامًا مثلما هي ترتكز على موارد طبيعية في غاية الندرة لكن توفر الموارد البشرية جعلها دائمًا على محك التوظيف الأمثل لهذه الموارد. وها نحن مع مطلع هذه السنة المباركة نحتفي بـ”عام عيسى الكبير”، بالأمل الذي تغرسه في نفوسنا إنجازات الآباء والأجداد، باستلهام المواقف الوطنية والبناء عليها، وإحداث ما يسمى بالتراكم التاريخي القائم على قواعد ثابتة، وعادات وتقاليد ومعايير إنسانية راسخة، هو ما انتقل عبر الأجيال لتسلم الراية البيضاء لبعضها البعض، وليبقى حكم آل خليفة راسخًا فارعًا قادرًا على التعاطي مع الآخر، بل والتفاعل مع القادم بثقافة أكثر تفتحًا، وبعيون أعمق إدراكًا ومشاهدة، حيث أن الأمم الخاوية من تاريخها ستظل إلى أبد الآبدين أممًا ضعيفة، مفرغة من محتواها، وعاجزة عن سد الرمق كلما حاولت علاج الاختناقات الاقتصادية، وترتيق العجز في الميزانية، وتوسيع دائرة المعارف الرقمية والتكنولوجية. من هذا التاريخ العريق الذي نستمد منه قوتنا وعزتنا وكرامتنا ووجودنا، نستطيع أن نقول بأن عام 2026 سوف يكون عامًا للخير والنماء، عام للرؤى الواضحة والمشاريع الحيوية المؤثرة، اعتمادًا على إرث طويل، وتراث وتاريخ أصيل، وبناء لم يجهل فريسته أينما حل وحيثما ذهب، وكل عام ومملكتنا الحبيبة بألف خير. 

 

‭* ‬الرئيس‭ ‬المؤسس‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬أمناء‭ ‬الجامعة‭ ‬الأهلية