الأدوية المغشوشة (1)
| د.سيد محمود القلاف
تدر تجارة الأدوية المغشوشة حوالي 75 - 200 مليار دولار سنوياً، ما يجعلها واحدة من أكثر التجارات غير المشروعة ربحاً في العالم. وتتحمل الدول النامية العبء الأكبر، حيث تصل نسبة الأدوية المغشوشة إلى 50 % في أجزاء من أفريقيا وآسيا، وقد وجد أن المضادات الحيوية وأدوية الملاريا والسل غالباً ما تستهدف بالغش، ما يفاقم الأوبئة، ففي نيجيريا فشلت 64 % من أدوية الملاريا في اختبارات الجودة. وتشكل مناطق النزاع والحروب بؤرا للأزمة، حيث يقدر أن 30 - 50 % من الأدوية في هذه المناطق هي أدوية مغشوشة وتباع بأسعار أعلى 10 - 50 مرة. كما تواجه الدول المتقدمة تهديدات متزايدة عبر الصيدليات الإلكترونية، حيث يُقدّر أن 95 % من الصيدليات الإلكترونية تعمل بشكل غير قانوني، وأن 50 % من الأدوية المباعة عبر الإنترنت مغشوشة. إن مخاطر الأدوية المغشوشة كبيرة وشديدة وفورية، فغالبًا ما تحتوي هذه المنتجات غير المشروعة على جرعات غير صحيحة من المكونات النشطة (كبيرة جدًا، قليلة جدًا، أو لا شيء على الإطلاق)، أو مكونات بديلة، أو حتى مواد ضارة مثل الزئبق أو الزرنيخ أو سم الفئران أو الأسمنت، لهذا يمكن أن تكون عواقب هذه الأدوية كارثية على المرضى، حيث إن استخدامها قد يؤدي إلى فشل العلاج، أو ردود فعل سلبية، أو أمراض طويلة الأمد، وحتى الموت. على سبيل المثال، فإنه وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن واحداً من كل عشرة منتجات طبية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إما أن يكون دون المستوى المطلوب أو مغشوشاً.
وهذا قد يكون له تأثير مدمر على العلاجات الحرجة لأمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) والسل والسرطان، ما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح ونقصان في معدل الحياة لدى المصابين. علاوة على ذلك، فإن استخدام المضادات الحيوية المغشوشة ذات المكونات النشطة غير الكافية يساهم بشكل مباشر في الارتفاع المقلق لمقاومة المضادات الحيوية، وهي أزمة صحية عالمية ذات تداعيات بعيدة المدى. وفيما يتعلق بالوفيات المباشرة فتقدرها منظمة الصحة العالمية بمئات الآﻻف بسبب الأدوية المغشوشة، ويقدر أن 200000 طفل يموتون بسبب أدوية الملاريا المغشوشة في أفريقيا، وفي إحدى الحوادث تم تسجيل وفاة 66 طفلاً في غامبيا بواسطة شراب سعال سام. إلى جانب التكلفة البشرية المباشرة من قبيل تأثيرها على صحة وحياة المرضى، فإن التداعيات الاقتصادية للأدوية المغشوشة مذهلة، حيث تعاني شركات الأدوية المشروعة من خسائر هائلة في الإيرادات، ما يؤثر على قدرتها على الاستثمار في البحث والتطوير الحيوي للعلاجات الجديدة والمبتكرة. كما يُقدّر أن الاقتصاد العالمي يخسر مليارات الدولارات سنويًا بسبب زيادة تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بفشل العلاج والأمراض طويلة الأمد، بالإضافة إلى الدخل المفقود من المرضى غير القادرين على العمل، تُجهد المنتجات المغشوشة أنظمة الرعاية الصحية من خلال زيادة عدد حالات دخول المستشفيات والإقامة الطويلة فيها، ما يحول الموارد عن مجالات أخرى حاسمة. علاوة على ذلك، فإن تسلل المنتجات المزيفة إلى سلاسل التوريد المشروعة يضر بسمعة البلدان المتأثرة، ويقلل الاستثمار الأجنبي، ويعطل العلاقات التجارية الدولية، ما يساهم في عدم الاستقرار الاقتصادي الأوسع نطاقًا. غالبًا ما تُسيطر مجموعات الجريمة المنظمة على هذه السوق السوداء المربحة، مع تمويل الأرباح غير المشروعة في كثير من الأحيان لأنشطة غير قانونية أخرى. يتطلب مكافحة التهديد المتفشي للأدوية المغشوشة نهجًا متعدد الجوانب يشمل الهيئات التنظيمية، وسلطات تنفيذ القانون، وشركات الأدوية، والجمهور. التحديات التنظيمية كبيرة، حيث تختلف القوانين وقدرات التنفيذ بين الدول، كما أن إخفاء الهوية الذي توفره الصيدليات التي تبيع عبر الإنترنت يزيد تعقيد الإشراف. ضعف التنظيم والتنفيذ والطلب المتزايد على الأدوية الرخيصة يخلقان أرضًا خصبة للمزورين. والأهم من ذلك كله هو القيام بتوعية المرضى حول الأدوية المغشوشة وذلك لتمكينهم من حماية أنفسهم. إن تثقيف الجمهور حول مخاطر الأدوية المغشوشة، وكيفية التعرف على المنتجات المشبوهة (على سبيل المثال: التعبئة غير العادية، والآثار الجانبية غير المتوقعة، والأسعار المنخفضة بشكل غير عادي)، وأهمية الحرص على شراء الأدوية المعتمدة والمضمونة من مصادر مشروعة وموثوقة (مثل الصيدليات المرخصة من الدولة) هو أمر بالغ الأهمية. على سبيل المثال يجب تجنب شراء الأدوية من المصادر المجهولة على الإنترنت وعند السفر يجب تجنب شراء أي دواء حتى لو كان بسيطا إلا من الصيدليات المعتمدة والقانونية، حيث إن احتمالية تداول أدوية مغشوشة من المصادر المجهولة للأدوية على الإنترنت أو الصيدليات غير القانونية في الأسواق تكون كبيرةً جداً وذلك لبعدها عن الملاحقة القانونية.
*أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية