سقوط النظام الإيراني... زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل الشرق الأوسط (1)
| مرتضى بن حسن
لا تشير الاضطرابات الحالية في إيران بالضرورة إلى ثورة وشيكة على غرار ثورة 1979. فالنظام الحالي أكثر تماسكاً أمنياً، ولكن التحركات الأميركية والإسرائيلية جارية بالفعل، وتهديدات ترامب مستمرة بالتدخل إذا استمرت عملية قتل المتظاهرين، والمتعاونون مع الولايات المتحدة وإسرائيل سيحاولون قتل مزيد من المتظاهرين وقوات الأمن، كما سيحاولون تدمير بعض المرافق أو الاستيلاء عليها، والخطوات الأميركية قد تتراوح بين عمليات التضليل والتأثير، والهجمات الإلكترونية، والعمليات الخاصة، أو حتى الحرب المفتوحة، وذلك تبعا للتطورات. وهناك أنباء عن أن قرار الحرب تم اتخاذه أثناء اجتماع ترامب مع نتنياهو في فلوريدا في نهاية الشهر الماضي، وإثر ذلك قامت بعض الدول بإجلاء رعاياها وإغلاق سفاراتها في تل أبيب. وستكون الاحتجاجات الجارية الذريعة لإعلان الحرب، فترامب قال قبل أيام إن بلاده مستعدة لتقديم المساعدة للمحتجين. سيناريوهات كانت تعتبر مستبعدة في السابق باتت واردة الحدوث الآن في كل الأحوال سيظل سقوط النظام الحالي في إيران سيناريو افتراضيا، لكن تحليل تداعياته المحتملة ضرورة استراتيجية لفهم ديناميكيات المنطقة الهشة. هذا الحدث الجسيم لن يكون مجرد تغيير في حكومة طهران، بل سيكون زلزالاً جيوسياسياً هائلاً، بل ستنتقل هزاته الارتدادية من الداخل الإيراني إلى أقاصي المحيط الإقليمي، حاملاً معه مخاطر عنف عابر للحدود وفرصًا لإعادة رسم التحالفات. وتبدأ التداعيات من قلب طهران نفسها. فالمجتمع الإيراني، رغم تجانسه النسبي تحت مظلة الهوية الوطنية والقومية الفارسية، يحوي تناقضات عميقة: انقسامات سياسية بين إصلاحيين ومحافظين ومقاطعين، وتمايزات عرقية (أذريون، أكراد، عرب، بلوش)، وصراع بين دولة عميقة (الحرس الثوري) ومجتمع مدني متعطش للتغيير. (المقال كاملا في الموقع الإلكتروني) قد تؤدي لحظة السقوط إذا ما حدثت إلى فراغ سلطة تتنازعه هذه القوى. الاحتمال الأرجح ليس حربًا أهلية بالشكل التقليدي (جيش موحد ضد متمردين)، بل “فوضى منظمة” أو حروب أهلية مصغرة في الأطراف، حيث تسعى القوميات للاستقلال أو الحكم الذاتي، بينما تتصارع الفصائل في المركز على تركة النظام. مصير مؤسسات النظام، وخاصة فيلق القدس التابع للحرس الثوري، سيكون حاسمًا. فقد تلجأ هذه المؤسسات، ذات المصلحة في البقاء، إلى التحالف مع قوى إقليمية أو دولية لضمان وجودها، أو قد تتفكك إلى جماعات مسلحة تزيد الطين بلة. المشهد سيتحدد بشكل كبير بطريقة السقوط: هل هو ثورة شعبية سريعة؟ أم عملية تغيير تدريجي؟ أم انهيار داخلي؟ هل ستنجح؟ كل سيناريو ينتج ديناميكيات عنف مختلفة. دول الجوار المباشر لإيران أول من يتحمل وطأة التصدعات العراق: حيث النفوذ الإيراني متغلغل. قد يؤدي اختفاء الداعم الإيراني إلى صراع شرس على السلطة داخل التحالف الشيعي ذاته (بين قوى موالية لإيران وأخرى وطنية)، وإلى محاولات من السنة والأكراد لاستعادة مكاسب سياسية، وسط صراع خفي أو معلن من الدول. لبنان: القلب النابض للأزمة.. حزب الله الذي مازال قويا نسبيا ويعتمد على تسليحه ودعمه ماليا سيواجه أزمة وجودية مع فقدان تمويله وتسليحه وتدريبه من إيران. السيناريوهان الأساسيان هما: إما انهيار سلمي نسبي يقوده إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط داخلي وإقليمي هائل لنزع سلاحه، أو انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة إذا قرر جزء من الحزب أو حلفاؤه القتال للبقاء، مستخدمًا ترسانته الكبيرة من الصواريخ.
الخليج العربي: بين القلق والفرصة ستواجه دول مجلس التعاون الخليجي موقفًا معقدًا يجمع بين المخاطر المباشرة والفرص الاستراتيجية. المخاطر قصيرة المدى: احتمال تدفق لاجئين، وتصاعد أنشطة تخريبية من قبل وكلاء إيرانيين سابقين يحاولون إثبات وجودهم، أو حتى تمردات محتملة في بعض المناطق في ظل غياب القبضة الإيرانية واندفاع هذه المجتمعات للمطالبة بحقوق أوسع. الفرص طويلة المدى: تراجع “العدو الإقليمي التقليدي” يشكل نقلة استراتيجية كبرى. سينحسر التهديد الصاروخي والبحري المباشر من الحوثيين وحزب الله على المدى البعيد، ويفتح المجال لبعض الدول لقيادة ترتيب إقليمي جديد. لكن هذا سيتطلب منهم دبلوماسية دقيقة لإدارة العلاقة مع إيران الجديدة ومنعها من الانزلاق لفوضى تهدد الجميع.
*كاتب عماني