بدلا من تعليق الآمال على الانتظار
| كمال الذيب
لئن كنا نتفق مع الكاتب الأميركي توماس فريدمان في دعوته المتكررة دول العالم الثالث - ومنها العرب - إلى التدرج في التقدم نحو الديمقراطية وتوفير متطلباتها من حريات وتسامح واستقرار اجتماعي واقتصادي وقوانين ناظمة، وضرورة التركيز على إرساء الاستقرار، وبناء مؤسسات قوية، وتحقيق التنمية الاقتصادية قبل الانخراط في عملية ديمقراطية كاملة، لأنها منظومة متكاملة تتطلب ثقافة سياسية ناضجة، ومؤسسات مستقلة، وقوانين تحمي الحقوق والحريات.. محذرا من مغبة الانتقال السريع نحو الديمقراطية في بيئات غير مستقرة لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية... إلا أنه وفي نفس الوقت لا يجب أن يخفى عنا سوء النية وراء هذا الكلام المنمق. فبالرغم من وجود العديد من المعوقات الاجتماعية والثقافية والفكرية والتربوية التي تؤخر التطور الديمقراطي، فإنها جميعاً معوقات قابلة للتجاوز، عندما تتوافر الإرادة من الدولة والنخب ومؤسسات المجتمع المدني. والدليل على ذلك أن البنية الثقافية المحافظة التي ينتقدها فريدمان ويعتبرها معيقة، لم تؤدِ إلى إعاقة التحول الديمقراطي في بعض البلدان الإسلامية التي اختطت لنفسها طريقاً نحو الممارسة الديمقراطية، مثل ماليزيا، وتركيا وغيرها من البلدان التي استفادت من الفكر الديمقراطي واستلهمت من ثقافتها ما يعزز هذا التحول بدلا من الانتظارية، عبر هذه الوصفة التي تعلق الآمال على الانتظار المستحيل. كما أنه من الواضح، بل من المؤكد عدم وجود تناقض أو تراتبية زمنية بين التعددية التي تعنى بالتنوع الثقافي، والتعددية السياسية كأحد أوجه تكريس الديمقراطية - وليس كلها – شاملة حرية الرأي والتعبير والتنظيم، ومنتهية بتنظيم التداول السلمي للسلطة في ظل القانون، فهما متكاملان ومتزامنان في الحضور والفعالية. إن الديمقراطية تكريس أساسي للحرية - بوجه خاص - وهي القيمة الأسمى والأكثر إسهاماً في نقل الإنسان نحو مواطنيته حسب المعايير المعاصرة التي أنجزتها البشرية عبر نضالها الطويل، والتي لابد أن نقر بانتمائنا إليها، كمحطة أولى ضرورية للتقدم نحو دولة الحداثة والمواطنة المتساوية وتكون فيها القوانين الفاعلة في المؤسسات كافة مبنية صراحة أو ضمنا على حقوق تكفل لكل فرد ولكل فئة اجتماعية حرية التفكير والتعبير والعمل في إطار القانون.
كاتب وإعلامي بحريني