إنجازات عيسى الكبير خطوات باتساع الأفق

| د. منصور محمد سرحان

ولد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في البحرين سنة 1849م. وحرص والده على تعليمه وتربيته فاختار مجموعة من المربين وعلماء اللغة والدين ليدرس على أيديهم، فنشأ يتذوق الأدب والشعر. وعرف بفصاحته وبحبه تقريب العلماء والأدباء إليه، فأصبح قصره ملاذًا للشعراء والأدباء والفقهاء. وصف سجاياه وشجاعته وأخلاقه وكرمه وصفًا دقيقًا أحد معاصريه، وهو المؤرخ البحريني المعروف الشيخ محمد علي التاجر في كتابه (عقد اللآل في تاريخ أوال) والذي فرغ من تأليفه في العام 1920م، وصفه بقوله: (استلم زمام الملك بيد الحزم والتدبير فدانت له القبائل والعربان، ونشر رايات العدل والأمان، وقمع بسيفه أهل البغي والعدوان، وأظل بحكمه وكرمه ونداه القاصي والدان. وكان معروفًا بالبذل والكرم، موصوفًا بالحلم وطول الأناة، وصولًا لرحمه وقرابته، لا يدخر دونهم شيئًا. وكان متواضعا، رفيق الحاشية سهل الخلق). عاش في منزل والده بمدينة المنامة والذي يقع بالقرب من المسجد المقابل لمنزل الشيخ قاسم المهزع. وعندما تولى الحكم اختار مدينة المحرق سكنًا له، وذلك في العام 1869م. نصب حاكمًا على البحرين في الرابع من ديسمبر عام 1869م، فاستقبل استقبالًا قل نظيره وسط الفرح والابتهاج بتنصيبه حاكم على البحرين. وعبرت القبائل وجميع أفراد المجتمع البحريني عن ولائها له، فأغدق عليهم بكرمه، وأخذت البلاد تتجه إلى الأمن والاستقرار والتطور بشكل متسارع قل نظيره. تؤكد الوثائق المتوافرة لدينا ومنها كتاب (مضبطة المشروع الأول للتعليم الحديث في البحرين) أن صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة كانت تتم مخاطبته بالملك المعظم. وقد تم توثيق ذلك في الكثير من مضابط الجلسات الخاصة بمشروع بناء مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق. فقد جاء في مضبطة الجلسة الأولى ذكر الملك المعظم وفق النص التالي: (وبعد انتظام عقد الجلسة بأعيان البحرين الذين حررت أسماؤهم في دفتر الإعانة دخل مندوب الملك المعظم). كما جاء في الجلسة السادسة: (بعد انتهاء حضرة الشيخ إبراهيم من خطابه ارتفعت الأصوات من الحاضرين بشكر حضرة الملك المعظم). شهدت البحرين في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الذي حكم البحرين في الفترة من العام 1869م وحتى العام 1932م العديد من الإنجازات والتطورات وتأسيس المؤسسات على اختلاف خدماتها. فقد شهد عهده استتباب الأمن والاستقرار في البلاد، وإقامة علاقات ودية بين البحرين ومحيطها الإقليمي، فاتجه إلى بناء الدولة الحديثة على اسس تضمن الأمن والرخاء لجميع المواطنين، وكانت الظروف مؤاتية لبناء المؤسسات على اختلافها، فسنوات حكمه الطويلة جعلته ينفذ ما كان يصبو إليه بكل سهولة ويسر. شهد عهده في بداية حكمه الاهتمام بالنظم الإدارية، وبناء المؤسسات على اختلافها، مركزًا في بداية حكمه على تنظيم القضاء من أجل ضمان سير العدالة وحل مشاكل المواطنين وبصورة خاصة ما يتعلق بامورهم الاجتماعية، مطبقًا مبدأ العدل أساس الملك. تولى القضاء في عهده الشيخ محمد بن راشد الحسني المالكي، والشيخ قاسم المهزع. ونصب الشيخ أحمد بن الشيخ سلمان الشاخوري قاضيًا يقضي على المذهب الجعفري في عام 1870م، وهو معروف بأنه مدقق في الأحكام الشرعية. أمر صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بتأسيس محكمة لدعاوى الغوص وحساباتها في العام 1894م. وكانت هذه المحكمة ضرورية لفض النزاعات والخلافات باعتبار البحرين تعتمد اعتمادًا كليًا آنذاك وبشكل رئيسي في اقتصادها على صيد اللؤلؤ. وبهذا تكون محكمة سالفة الغوص هي التي تحكم في جميع الخلافات بين فئات الغواصين وأرباب السفن والممولين، وتلك لفتة مهمة من لدن عظمته لإنصاف فئة الغواصين وعدم استغلالهم أو الإضرار بحقوقهم. خطا خطوة في غاية الأهمية من خلال ترتيب نظام الحكم الوراثي، الأمر الذي يدل بوضوح تام على حنكته ورجاحة عقله وحكمته. فقد صب اهتمامه بعد أن اطمئن إلى وجود قضاء عادل ونزيه على ترتيب نظام الحكم الوراثي المتمثل في تولي أكبر الأبناء سنًا وراثة الحكم، والذي كان يعمل به عرفًا دون وجود صك موثق وموقع عليه، وذلك لضمان انتقال الحكم بشكل سلس، فأصدر وثيقة تقضي بانتقال الحكم من الأب إلى أكبر الأبناء، ونالت الوثيقة القبول والاستحسان من قبل الجميع، ووقع عليها كبار الأعيان. ووفقًا لتلك الوثيقة تم تعيين صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة وليًا لعهد حاكم البحرين في عام 1898م. وبهذا ضمن لمملكة البحرين استقرارها وحفظ امنها وصون وحدتها. اهتم عظمته بالأمور المتعلقة بالصحة العامة في وقت مبكر، وبذل جهد كبيرًا للحفاظ على صحة المواطنين. فقد تفهم عظمته ما كان يعانيه المواطن من ظروف صحية في ظل غياب الوعي بأمور الوقاية، وعدم وجود مستشفيات في البلاد. فقد انتشرت ظاهرة الأوبئة المعدية، الأمر الذي دفع عظمته إلى العمل على تأسيس محجر صحي في منطقة القضيبية في بادئ الأمر للحد من انتشار الأوبئة المعدية حينذاك، إلا أنه أمر بنقل المحجر الصحي إلى القلعة في حالة أبو ماهر وذلك في العام 1889م كي لا تنتشر العدوة بين المواطنين الذين يسكنون قرب المحجر. بدأ أول مستشفى في عهده وهو مستشفى الإرسالية الأمريكية في عام 1900م حين تم استئجار منزل استخدم كمستشفى، وكان صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة يدعم المستشفى ماديًا ليضمن استمراره حرصًا منه على سلامة وصحة ابناء البحرين. ففي عام 1902م تبرع عظمته بقطعة أرض بني عليها مستشفى الإرسالية وتم الانتهاء من البناء في عام 1903م. وشهد عهده افتتاح مستشفى آخر وهو مستشفى فكتوريا الخاص بدار الاعتماد البريطاني، الأمر الذي جعل المرضى من الدول الخليجية يترددون على المستشفيات في البحرين في تلك الفترة من الزمن. عرفت مملكة البحرين عبر تاريخها القديم والحديث والمعاصر بتسامح حكامها، الأمر الذي شجع بعض الجاليات الأجنبية على البدء في تأسيس مدارس خاصة بهم. فقد تأسست المدرسة الإرسالية في العام 1899م على يدي أيمي إيلزبيث ويلكس زوجة القس صومئيل زويمر. وفي العام 1913م أسست الجالية الإيرانية مدرسة خاصة بها في مدينة المنامة تحت مسمى (مدرسة الإصلاح المباركة) وتؤكد بادرة افتتاح مدرسة الإرسالية ومدرسة الإصلاح المباركة قمة التسامح التي كان يتحلى بها صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة. شهدت البحرين في عام 1919م افتتاح أول مدرسة نظامية بها في مدينة المحرق أطلق عليها مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق بجهود مدعومة من حكومة البحرين وبتشجيع خاص من قبل حاكم البحرين آنذاك صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة. بعد مرور عامين على افتتاح مدرسة الهداية الخليفية في المحرق، وجه عظمته إلى افتتاح المزيد من المدارس في البلاد. ووفقًا لتوجيهات عظمته افتتحت أول مدرسة ابتدائية للبنين مدينة المنامة العاصمة في العام 1921م وأطلق عليها أيضًا مدرسة الهداية الخليفية. كما افتتحت في عهده المدرسة المباركة العلوية في عام 1926م بمنطقة الخميس. وفي عام 1928م افتتحت المدرسة الجعفرية بالمنامة مدرسة أبو بكر الصديق حاليًا. وشهد عام 1928م افتتاح أول مدرسة للبنات بمدينة المحرق وأطلق عليها مدرسة الهداية الخليفية للبنات. من بين الومضات المضيئة التي شهدتها البحرين في عهد عظمته تأسيس بلدية المنامة في عام 1919م وهي أول بلدية على مستوى الدول الخليجية والثالثة على مستوى الوطن العربي. ونظرًا لأهمية بلدية المنامة فقد تولى رئاستها في العام 1919م صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة ولي العهد.  وتشكل في العام 1920م أول مجلس بلدي مكون من ثمانية أعضاء تولى مسؤولية إعداد مشروع قانون للبلدية صدر في الثاني من يناير من العام 1920م. شهدت البحرين في عهد عظمته تأسيس دائرة الطابو لمسح وتسجيل الأراضي في العام 1924م، سابقة بذلك العديد من الدول العربية ومنها على سبيل المثال سوريا ولبنان حيث شهدتا إصدار قانون الأراضي وتسجيلها في العام 1926م. وتعد مملكة البحرين الدولة الثالثة في الوطن العربي في مجال تأسيس السجل العقاري بعد مصر والعراق. شهدت البحرين في عهد عظمته تأسيس أول بنك في المنامة في عام 1920م وهو البنك الشرقي، وبدأ أعماله في البداية من منزل القصيبي حتى شهر يونيو من عام 1932م وهو العام الذي انتقل فيه البنك إلى مبنى خاص به. كان للمؤسسات الثقافية نصيبها الكبير في عهد عظمته والتي بدأت في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين. فقد عرف عن عظمته حبه للقراءة، كما عرف بفصاحته وتقريبه العلماء والأدباء والشعراء، الأمر الذي جعل قصره مكان تجمع رجال العلم والأدب والشعراء، وفسح لكل واحد منهم أن يدلو بدلوه محولاً مجلسه إلى منتدى ثقافي. تأسست في عهده أول مكتبة تجارية بعد مرور سنة من افتتاح أول مدرسة في البحرين. فقد تمكن الشيخ محمد علي التاجر من تأسيس أول مكتبة في البحرين وذلك في عام 1920م بمدينة المنامة العاصمة أطلق عليها اسم (مكتبة التاجر) في سوق الطواويش بالمنامة. وكان يتردد عليها المواطنون ممن نالو نصيبًا من التعليم لشراء ما يحتاجونه من كتب. وتأسست في عام 1921م المكتبة الكمالية لصاحبها سلمان كمال وكان موقعها في شارع باب البحرين. أما المكتبة التجارية الثالثة فهي المكتبة الوطنية لصاحبها إبراهيم عبيد والتي تأسست في عام 1929م بسوق القيصرية بالمحرق. من بين المؤسسات الثقافية التي تأسست في عهده الأندية. فقد شهد عهده تأسيس النادي الإسلامي في عام 1910م وهو أول ناد تعرفه البلاد. كما تأسس النادي الأدبي في مدينة المحرق في عام 1920م والذي ساهم في تأسيسه مجموعة من الشباب آنذاك من ابناء البحرين وابناء الجاليات العربية. ومن بين أهم الأنشطة التي قدمها النادي الأدبي اشتراكه في المهرجان الأدبي الذي نظم في القاهرة في عام 1927م بمناسبة مبايعة أحمد شوقي أميرًا للشعراء. وأهدت البحرين ممثلة في النادي الأدبي أحمد شوقي نخلة من الذهب تحمل رطبًا من اللؤلؤ تبرع بها نجل الحاكم وولي عهده صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة. وقد أشاد أحمد شوقي بهذه الهدية الثمينة في قصيدته التي نظمها بمناسبة تكريمه، وكان لها صداها بين الجمهور جاء فيها: قلدتني الملوك من لؤلؤ البحر    ين آلاءها ومن مرجانه نخلة لا تزال في الشرق معنى   من بداواته ومن عمرانه وألقى الشاعر خالد الفرج أحد أعضاء النادي الأدبي قصيدة في حفل تكريم الشاعر أحمد شوقي جاء فيها: من منبت الدر تسليم وتكريم   لشاعر اللغة الفصحى وتفخيم حياك من دارنا البحرين لؤلؤها   والنخل إذ بسمت فيه الأكاميم هذا ما قام بتنفيذه صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة أثناء حكمه وهي خطوات باتساع الأفق. فقد توفي في عام 1932م وكان له من العمر 83 سنة قضى معظمها في بناء الأسس الحديثة للدولة، وجنب البحرين بفضل حكمته وحنكته السياسية الدخول في مواجهات القوى المختلفة المتواجدة في منطقة الخليج العربي، وعاشت مملكة البحرين في عهده في ازدهار وأمن وسلام، وهذا ما توارثه وعمل به جميع حكام البحرين من آل خليفة الكرام.