قراءة في عملية فنزويلا
| أحمد جعفر
بعيدًا عن جدل توصيف العملية الأميركية في فنزويلا ومدى قانونيتها، فإن جوهر الحدث ودوافعه تتجاوز مسألة ما يصوره كثيرون على أنه غنيمة نفط ترغب الولايات المتحدة في الاستيلاء عليه. العملية التي نفذتها “دلتا فورس” كانت استعراضًا للقوة من جانب واشنطن وتطبيقًا مباشرًا لاستراتيجية الأمن القومي للرئيس دونالد ترامب. وفي بلد تعتبره الولايات المتحدة جزءًا من أمنها الجيوسياسي - رغم المسافة البعيدة نسبيًّا - أرسلت العملية، التي نقلت الرئيس الفنزويلي من مقر إقامته بالعاصمة كاراكاس إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تجارة المخدرات والإرهاب، رسائل لا لبس فيها للصين وروسيا وإيران. الولايات المتحدة لا تنظر إلى فنزويلا باعتبارها خزان طاقة فقط، بل بوصفها منطقة نفوذ لدول معادية في نصف الكرة الغربي، وهي التي تريد في الكاريبي وأميركا اللاتينية بيئة موالية لها سياسيًّا واقتصاديًّا. وانطلاقًا من هذه المقاربة، فإن العملية تمثل رسالة مزدوجة: للنظام الجديد في كاراكاس من جهة، والذي أدرك معنى إقامة علاقات طبيعية مع واشنطن، ولأنظمة أخرى في الإقليم من جهة ثانية، مفادها أن أميركا لن تسمح بتمدد نفوذ الثلاثي بكين وموسكو وطهران في نصف الكرة الغربي. إن السردية الشائعة التي تذهب إلى أن واشنطن تحركت بدافع النفط وحده تبقى قاصرة وتتجاهل حقائق أساسية؛ فالولايات المتحدة كانت تشتري النفط الفنزويلي الثقيل بالفعل خلال عهد نيكولاس مادورو، ولم يكن الوصول إلى هذا النفط مغلقًا أو مستحيلًا بحيث يتطلب عملية عسكرية أو تحركًا استثنائيًّا بهذا الحجم.
كما أن إنتاج النفط الفنزويلي، وفق تقديرات واقعية داخل قطاع الطاقة نفسه، لن يتحقق بمستويات مرتفعة، إلا من خلال استثمارات ضخمة تقدر بأكثر من 150 مليار دولار وهذا يحتاج لسنوات، فضلًا عن أن معظم الاحتياطي الفنزويلي هو نفط ثقيل عالي الكلفة في الاستخراج والتكرير، وأقل جاذبية في بيئة أسعار عالمية منخفضة. والأهم من ذلك أن شهية الشركات الأميركية الكبرى للدخول إلى فنزويلا تكاد تكون معدومة في هذه المرحلة، فالتاريخ الطويل لتأميم القطاع النفطي والنزاعات القانونية الممتدة منذ عهد هوغو تشافيز، جعل فنزويلا واحدة من أعلى البيئات مخاطرة في العالم من منظور الاستثمار في مجال الطاقة. ويتطلب استخراج النفط الخام اللزج الذي يشكل معظم احتياطيات فنزويلا عمليات خاصة مثل حقن البخار. كما يتطلب نقله عبر خطوط الأنابيب إضافة مواد مخففة لتسهيل التدفق، وهذا يجعل إنتاجه أكثر تكلفة من أنواع النفط الخام الأخف، مثل تلك التي تأتي من السعودية. وبعيدًا عن السياسة، فإن هذه حسابات شركات عملاقة لا تُغامر برؤوس أموال ضخمة في بيئة غير مستقرة سياسيًّا ومؤسسيًّا، ولا تقدم ضمانات طويلة الأمد. وإذا كان للنفط دور في الحسابات الأميركية فهو ثانوي، إذ إن النفط يُنظر إليه بوصفه أداة محتملة للمساعدة في تسوية مستحقات شركات الطاقة الأميركية التي صودرت أصولها سابقًا، وليس بوصفه غنيمة أو هدفًا بحد ذاته. من هنا، فإن اختزال ما جرى في فنزويلا في معادلة النفط وحده يخطئ قراءة المشهد؛ فالولايات المتحدة اليوم لا تتحرك بدافع الحاجة إلى هذه الموارد، فهي دولة مكتفية طاقيًا، بل بدافع منع الخصوم من إعادة تشكيل موازين النفوذ في محيط تعتبره تاريخيًّا امتدادًا لأمنها القومي ضمن مبدأ “مونرو” الذي يتجاوز عمره 200 عام. إن ما حدث في كاراكاس ليس نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها الردع، وترتيب المجال الجيوسياسي في البحر الكاريبي وأميركا اللاتينية وفق أولويات واشنطن، وهي رسالة وصل صداها للعالم أجمع، بما في ذلك الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز.
كاتب بحريني