مجتمعات فقدت روحها قبل أن تفقد إنسانها
| أسامة الماجد
هناك مأساة كبرى ماثلة أمامنا في المجتمعات الغربية التي تدّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ مأساة اسمها انهيار القيم الإنسانية. موت، وجوع، وألم، وخيبات متراكمة، باتت وقائع راهنة في حياة المواطن اليومية، لا استثناء فيها ولا مبالغة. سقوط القيم هناك أمر محتوم، ولا سبيل إلى إنكاره مهما حاولت الخطابات اللامعة تجميل المشهد. حدثني صديق عائد من عاصمة أوروبية عن مشاهد تثير الدهشة والأسى؛ مشرّدون يفترشون الأرصفة، يقتاتون من القمامة، وعلى الجهة المقابلة مبانٍ فاخرة يقطنها أصحاب الملايين. مشهد حزين وفاجع يعكس تمزّق الفرد وانتهاءه داخل مجتمعات تتسم بالرياء، والتخفي، والتنصل من كل التزام أخلاقي، والميل المفرط إلى الفردية في كل شيء. الحياة الغربية كانت ولا تزال تعيش مرحلة سقوط متواصل؛ سقوط القيم والانحدار في مختلف نواحي الحياة. يتجلى هذا الانحطاط في انعدام الألفة بين الناس، وغياب مساعدة الجار لجاره، وفتور العطف على الفقير والمحتاج. إنها إدانة صريحة للقيم التي يُفترض أن يقوم عليها ذلك المجتمع، لكنها في الواقع باتت مجرد شعارات جوفاء. بهذا الشكل المكشوف يعيش الإنسان الغربي، محاولًا عبثًا تلميع صورته وتقديم مجتمعه بوصفه النموذج الأعلى. غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك؛ نفخة في الفاضي، وقوانين تحكمها عقول باردة، ومجتمعات فقدت روحها قبل أن تفقد إنسانها. ولعل الأخطر في هذا المشهد القاتم أن هذا الانهيار لا يُقدَّم بوصفه أزمة، بل يُسوَّق وكأنه قدر طبيعي للحياة الحديثة. يتم تطبيع القسوة، وتبرير اللامبالاة، وتحويل الإنسان إلى رقم داخل منظومة لا ترى فيه سوى عبء أو أداة. وهنا تتجلى المأساة الحقيقية: حين يُسلب الإنسان إنسانيته باسم التقدم.