الاستثمار في البحث العلمي
| د. عبدالله الحواج
لم يكن ذلك الأفق محروقًا للحد الذي نبتعد فيه عن آمالنا في غدٍ أكثر إشراقًا ونحن نعيش تحت وطأة المديونيات، وصعوبة التعاطي مع المشكلات العالمية الجيوسياسية، فكل حدث وله أثر، وكل تداعٍ وله ضحايا، من هنا كان لابد أن نعيد رفع الراية والشعار، الراية الحمراء بمنع الدخول إلى مسرح العمليات حيث للبيوت أسرار، والشعار لا يخرج عن “لا يحك جلدك مثل ظفرك”. في الماضي جربنا الانفتاح والتفكير خارج الصندوق، جربنا تنويع مصادر الدخل بالسعي الحثيث نحو تطوير القطاع المصرفي ونقله من المحلية إلى العالمية، وجربنا وصفة الآثار الدلمونية وإعادة التراث لمكانته الطبيعية دعمًا لقطاع السياحة، ثم تمويلاً للقيمة المضافة والنمو الاقتصادي، وتخفيض العجز في الميزانية، ثم أخيرًا هجمت علينا أكثر من ريح مضادة، وأكثر من اتجاه معاكس، فتحنا الصندوق المغلق وجربنا التفكير هذه المرة داخل الصندوق وليس خارجه. شخصيًا، عثرت على ضالتي المنشودة، صحيح أن الفكرة ليست وليدة تجربة ذاتية، وصحيح أن الوحي هذه المرة كان مصدره كوريا الجنوبية وجامعاتها المتقدمة، لكن الصحيح أيضا أنني وجدت في هذه التجربة مربط الفرس الذي يجب أن يتوقف الفارس الاقتصادي المغوار عنده. وجدت الشركات العملاقة مثل هيونداي وغيرها وهي تلجأ للجامعات كي تخرج بصناعاتها المتعددة من الركود إلى الرواح، من الكساد وضعف الشراء إلى الفائض والطفرة في إيرادات المبيعات، لكن لماذا الجامعات؟ لسبب بسيط هو: أن لدى الجامعات الكورية مراكز بحوث علمية متطورة، وأن الدولة تفرض معدل صرف لا يقل عن 3 - 4 % على البحث العلمي، حتى تكون هذه الجامعات قادرة على مجاراة التقدم العلمي الحاصل في العديد من الدول المجاورة، خاصةً الصين واليابان وسنغافورة وتايلند، واكتشفت في إحدى زياراتي لجامعة كورية جنوبية متطورة أنها ومن خلال البحث العلمي تمكنت من إيجاد حلول جذرية لشركة هيونداي لتصنيع السيارات، والتي ركدت سياراتها في الأسواق العالمية ولم تعد قادرة على المنافسة. هنا دفعني الفضول إلى أن أسأل: وكيف أنقذتم الشركة من عثراتها في هذه الصناعة التي بدأت متطورة جدًا ثم تراجعت ولم تستطع خوض غمار التنافسية ولا مجاراة الدول الصناعية الأخرى البازغة؟ ثم جاءت المفاجأة عندما قالوها صراحةً ومن دون مواربة أو تردد: إنه البحث العلمي، لقد كلفتنا الشركة بضرورة إيجاد حلول إنتاجية وهندسية وتسويقية لسياراتها حتى تتمكن من العودة أكثر قوة مما كانت عليه في الأسواق المستهدفة. وبالفعل، ومن خلال البحث العلمي الذي يتم إعداده بالملايين ونشره ربما بالمليارات، تمكنت شركة هيونداي من تنفيذ توصيات الدراسات والبحوث التي أجرتها الجامعة، والتي كان فيها الحلول الشافية للشركة حيث عادت إلى الأسواق أقوى مما كانت، وبالتالي إلى الربحية والمنافسة بكل جدارة. هنا كان لابد وبالتفصيل أن أروي هذه القصة، وأن أعود من تجارب الآخرين بذخيرة حية مفادها أن الاستثمار في البحث العلمي كنز لا يفنى، وأن قيام شركات متخصصة تستفيد من تجارب العلماء والأكاديميين والمبدعين في بلادنا أصبح من الأهمية بمكان بحيث يمكننا إيجاد حلول ناجعة للعديد من مشكلاتنا الاقتصادية المتراكمة، بل وتحقيق مداخيل استراتيجية تساهم في علاج مديونياتنا الصعبة، وتفي بأهداف التنمية المستدامة، وإنجاز مرحلة التحول إلى الرقمية بكل سلاسة واحترافية وأمان.
* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية