دليل السفر البريطاني عن البحرين (1953): قراءة تاريخية في البدايات المبكرة للسياحة
| د.محمد الزكري
تتجاوز إعادة قراءة سيرة السير تشارلز د. بيلغريف، مستشار حاكم البحرين، (Sir Charles D. Belgrave 1894 –1969) حدود دوره السياسي لتكشف جانبًا ثقافيًا وفنيًا أقل تداولًا، يتمثل في كونه رسامًا هاويًا متمرسًا وثّق من خلال أعماله جوانب مهمة من التراث الثقافي والمعماري لمملكة البحرين. وتُعد لوحته التي أنجزها عام 1952، والتي رصدت مشهد بيوت البرستيات الخشبية التقليدية في منطقة الحد من على سطح مبنى مركز الشرطة الجديد آنذاك، واحدة من أشهر أعماله الفنية وأكثرها دلالة.
وقد أسهمت هذه الرسومات واللوحات في إثارة فضول واهتمام الأوساط الدبلوماسية والتجارية في المملكة المتحدة، وأسهمت في تشكيل صورة ثقافية جذابة عن البحرين، ممهّدة لمرحلة مبكرة من الاهتمام السياحي بالجزيرة. ويمكن النظر إلى هذا التفاعل الثقافي بوصفه إحدى البدايات غير المباشرة لنشوء السياحة في البحرين، حيث شجّع الزوار على القدوم لاكتشاف تراثها المحلي عن قرب. وانعكس هذا الاهتمام المبكر بوضوح على نجل السير تشارلز، جيمس حامد داكر بيلغريف (1929–1979)، (James Hamed Dacre Belgrave) الذي لعب لاحقًا دورًا محوريًا في التوثيق المبكر للسياحة في منطقة الخليج العربي. ويُعد كتابه «مرحبًا بكم في البحرين: دليل مصوّر شامل للسياح والمسافرين (Welcome to Bahrain: A Complete Illustrated Guide for Tourists and Travellers)، الصادر لأول مرة عام 1953، علامة فارقة في تاريخ أدبيات السياحة الخليجية، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع كأحد أقدم الأدلة السياحية الشاملة المخصصة لمملكة البحرين.
في سياق بدايات التدوين السياحي في الخليج العربي، يبرز هذا الكتاب كإنجاز توثيقي وثقافي مفصلي، لما قدّمه من رؤى قيّمة حول ثقافة البحرين وتاريخها وحياتها اليومية، في مرحلة كانت فيها المملكة تخطو بثبات نحو العصر الحديث. وقد تعزّز هذا الدور التوثيقي مع صدور الطبعة الثالثة من الكتاب في سبتمبر 1957، التي جاءت موسّعة بشكل ملحوظ مقارنة بالطبعات السابقة، حيث ضمّت 132 صفحة، وثلاث خرائط (اثنتان منها قابلة للطي)، و24 صورة توضيحية، إلى جانب 37 صفحة من الإعلانات التي تعكس النسيج التجاري والاقتصادي للبحرين في منتصف القرن العشرين.
وقد شكّلت هذه العناصر مجتمعة مرجعًا عمليًا للمسافرين، وفي الوقت ذاته وثيقة اجتماعية وثقافية رسمت صورة حيّة للمجتمع البحريني، شملت المواقع الأثرية، والحِرَف التقليدية، والبنية التحتية، وصناعة النفط. كما تناول الدليل أبعادًا متعددة من الحياة في البحرين، بدءًا من إرث حضارة دلمون العريقة، مرورًا بالاقتصاد المتنامي، ووصولًا إلى المظاهر الثقافية كالشعر والغوص على اللؤلؤ، بما يعكس تقديرًا عميقًا للطابع الفريد للجزيرة. وُلد جيمس حامد داكر بيلغريف ونشأ في البحرين، وهو نجل السير تشارلز دالريمبل بيلغريف، الذي شغل منصب المستشار البريطاني لحكّام البحرين—الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ثم الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة—خلال الفترة من 1926 إلى 1957. وقد أتاح له نشأته داخل البلاط الملكي ووسط نخبة المجتمع البحريني فهمًا داخليًا عميقًا للتقاليد والعادات وأنماط الحياة اليومية، وهو ما يتجلّى بوضوح في كتاباته، ليجعل من «مرحبًا بكم في البحرين» أكثر من مجرد دليل سياحي، بل جسرًا ثقافيًا بين البحرين والعالم. في 16 نوفمبر 1955، تزوّج جيمس بيلغريف من إينيد ماري كوتس، ابنة ر. هـ. س. كوتس، وتوفي عن عمر ناهز خمسين عامًا في 29 يونيو 1979، ودُفن في المقبرة المسيحية الجديدة بسلماباد في المحافظة الوسطى بمملكة البحرين. ويحمل اسمه الأوسط «حامد» دلالة عربية تعني «الحامد» أو «المحمود»، ويعكس ارتباطه العميق بالبحرين وأهلها، ويرجّح أن يكون إدراجه تعبيرًا عن الاحترام أو التكريم، في سياق العلاقة الوثيقة التي جمعت أسرته بالمجتمع البحريني.
On 16 November 1955, James Belgrave married Enid Mary Coates, daughter of R. H. C. Coates. He passed away at the age of 50 on 29 June 1979 and was laid to rest in the New Christian Cemetery in Salmabad, al-Wusṭā, Bahrain.
لم يقتصر دور «مرحبًا بكم في البحرين» على إرشاد السيّاح فحسب، بل وثّق مجتمعًا يقف على أعتاب التحوّل، مسجّلًا مرحلة سبقت تأسيس صناعة السياحة بشكلها المؤسسي في منطقة الخليج. كما توفّر الإعلانات الموزّعة في صفحات الكتاب نافذة تاريخية نادرة على الأعمال التجارية، والفنادق، والخدمات اليومية المتاحة في البحرين خلال خمسينيات القرن الماضي. واليوم، تُعد النسخ الأصلية من هذا الدليل نادرة وعالية القيمة لدى الجامعين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ التفاعل الثقافي المبكر بين الخليج والعالم الأوسع. فأكثر من كونه وثيقة سفر، يمثّل عمل بيلغريف إحدى أوائل المحاولات الصادقة لتقديم المجتمع الخليجي من منظور الضيافة والانفتاح والإرث المشترك، بعيدًا عن اختزاله في السياسة أو التجارة وحدهما. ومن خلال هذا الدليل، لم يكتفِ جيمس هـ. د. بيلغريف بالترحيب بالمسافرين إلى البحرين، بل حفظ لحظة ثقافية مفصلية في تاريخها، لا يزال صداها حاضرًا في سرديتها بين التقاليد والحداثة. المصدر: Essentials of Tourist Guiding, 2025 (أساسيات الارشاد السياحي) *خبير التراث والسياحة