مُلتقطــات

تجارةُ “أبو الدّحداح”!

| د. جاسم المحاري

جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وأساس‭ ‬تتنامى‭ ‬عليه‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬تماسك‭ ‬الوشائج‭ ‬والصلات‭ ‬بينها،‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬التعزيز‭ ‬الوثيق‭ ‬للروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬المتينة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬وزيادة‭ ‬رضاهم‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬يشعرون‭ ‬فيه‭ ‬بالسعادة‭ ‬والرضا‭ ‬عند‭ ‬مساعدة‭ ‬الآخرين،‭ ‬وتحفيز‭ ‬سواهم‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬والمشاركة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬تعزيز‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬بالتّطوع‭ ‬والتّبرع‭ ‬وغيره،‭ ‬باعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬عظيمة‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬التعاون‭ ‬والمشاركة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬قيم‭ ‬التفاني‭ ‬السامية‭ ‬في‭ ‬بذل‭ ‬النفس‭ ‬والمال،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬صلاح‭ ‬أولئك‭ ‬الأفراد‭ ‬وتوطيد‭ ‬روابط‭ ‬الأخوة،‭ ‬المفعمة‭ ‬بروح‭ ‬الإيثار‭ ‬بينهم‭.‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬التجارة‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬عملية‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬الدولية‭ ‬أو‭ ‬الإلكترونية‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬وأكثر‭ ‬وتستهدف‭ ‬الربح‭ ‬المحدود‭ ‬أو‭ ‬اشتراء‭ ‬الرخيص‭ ‬وبيع‭ ‬الغالي‭ - ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التجارة‭ ‬الآجلة‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والعاجلة‭ ‬في‭ ‬الآخرة‭ - ‬مع‭ ‬ربّ‭ ‬الخلائق‭ ‬جلّ‭ ‬جلاله،‭ ‬والتي‭ ‬يُحافظ‭ ‬فيها‭ ‬العبد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أمر‭ ‬به‭ ‬معبوده‭ ‬سبحانه‭ ‬في‭ ‬إقبال‭ ‬على‭ ‬أوامره‭ ‬وإدبار‭ ‬عن‭ ‬نواهيه‭ ‬وإكساب‭ ‬لمرضاته‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ (‬الرابحة‭ ‬جدًا‭)‬،‭ ‬حينئذٍ‭ ‬يتضاعف‭ ‬فيها‭ ‬الأجر‭ ‬ويحتسب‭ ‬عليها‭ ‬البرّ‭ ‬ويتحرى‭ ‬بها‭ ‬الحلال‭ ‬ويتجنّب‭ ‬منها‭ ‬الحرام؛‭ ‬فينال‭ (‬تاجرها‭) ‬سعادة‭ ‬الدّارين،‭ ‬وطيب‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيوية‭ ‬وسعادة‭ ‬الآخرة‭ ‬الأبدية‭ ‬وفق‭ ‬متطلباتها‭ ‬البدنية‭ ‬لحفظ‭ ‬الصحة‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لصلة‭ ‬الرحم‭ ‬والمالية‭ ‬لطلب‭ ‬الرزق‭ ‬والدينية‭ ‬لأداء‭ ‬الفرائض‭ ‬والواجبات،‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬النوايا‭ ‬الخالصة‭ ‬والأعمال‭ ‬المباحة‭ ‬والطاعات‭ ‬الصادقة‭ ‬بين‭ ‬أمثال‭ ‬الجبال‭ ‬من‭ ‬حسنات‭ ‬المالك‭ ‬الرحمن‭ ‬في‭ ‬“فقه”‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬الإلهية‭ ‬العادلة‭.

 

نافلة‭: ‬

في‭ ‬واقعة‭ ‬تاريخية‭ ‬خالدة،‭ ‬جسدت‭ ‬معاني‭ ‬الإيثار‭ ‬الصادق،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬ترجمتها‭ ‬لأروع‭ ‬نماذج‭ ‬التضحية‭ ‬الحقّة‭ ‬في‭ ‬حبّ‭ ‬الخالق‭ ‬المتعال‭ ‬وإيثار‭ ‬الدّار‭ ‬الآخرة‭ ‬التي‭ ‬برز‭ ‬فيها‭ ‬أبوالدّحداح‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬صحابيّ‭ ‬جليل‭ ‬من‭ ‬الأنصار‭ ‬–‭ ‬حين‭ ‬سأل‭ ‬النبي‭ (‬ص‭) ‬بعد‭ ‬نزول‭ ‬آية‭ ‬الإنفاق‭ ‬والقرض‭ ‬الحسن‭ (‬آية‭ ‬245‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭) ‬بقوله‭: ‬يا‭ ‬نبيّ‭ ‬الرحمة،‭ ‬وأنّه‭ ‬تعالى‭ ‬يريد‭ ‬منّا‭ ‬القرض؟‭ ‬قال‭: ‬نعم‭ ‬يا‭ ‬أبا‭ ‬الدّحداح،‭ ‬قال‭: ‬أرني‭ ‬يدك‭ ‬المباركة‭! ‬فناوله‭ ‬يده‭. ‬قال‭: ‬إنّي‭ ‬قد‭ ‬أقرضت‭ ‬ربي‭ ‬بستاني‭ ‬وما‭ ‬فيه‭ (‬به‭ ‬ستمئة‭ ‬نخلة‭)‬،‭ ‬وأنّي‭ ‬جئت‭ ‬زوجتي‭ ‬أمّ‭ ‬الدّحداح‭ ‬وعيالها‭ ‬حتى‭ ‬باركت‭ ‬بيعتي‭ ‬وقالت‭: ‬ربح‭ ‬بيعك‭ ‬يا‭ ‬أبا‭ ‬الدّحداح‭! ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يمهل‭ ‬نفسه‭ ‬التفكير،‭ ‬بل‭ ‬آثر‭ ‬الآخرة‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭ ‬والباقية‭ ‬على‭ ‬الفانية‭. ‬

هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أروع‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬أكملت‭ ‬تخرّجها‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬سيد‭ ‬المرسلين‭ (‬ص‭) ‬الذي‭ ‬ربَّى‭ ‬أصحابه‭ (‬رض‭) ‬على‭ ‬البذل‭ ‬السخي‭ ‬والتّصدق‭ ‬الخفيّ‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬يفوح‭ ‬منها‭ ‬شذى‭ ‬السعادة‭ ‬ويغمرها‭ ‬عبق‭ ‬الفرحة‭ ‬على‭ ‬حبّ‭ ‬البذل‭ ‬وعطايا‭ ‬الصدقة؛‭ ‬طمعًا‭ ‬في‭ ‬الثواب‭ ‬الكريم‭ ‬والأجر‭ ‬العظيم‭ ‬والفضل‭ ‬الفسيح‭ ‬حتى‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ (‬ص‭): ‬كمّ‭ ‬مِن‭ ‬عِذق‭ ‬ردّاح‭ - ‬أي‭ ‬غُصْن‭ ‬ثقيل‭ - ‬لأبيّ‭ ‬الدّحداح‭ ‬في‭ ‬الجنة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني