فجر جديد

لماذا يكرهون الناجح؟

| إبراهيم النهام

النجاح‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وصول‭ ‬إلى‭ ‬هدف،‭ ‬كما‭ ‬يظن‭ ‬البعض،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رحلة‭ ‬مليئة‭ ‬بالتحديات،‭ ‬تتطلب‭ ‬صبرا،‭ ‬عزيمة،‭ ‬وأخلاقا‭ ‬رفيعة،‭ ‬فالناجح‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬مرآة‭ ‬تكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬الآخرين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وجوده‭ ‬مزعجًا‭ ‬للبعض‭. ‬فحين‭ ‬يسطع‭ ‬نجم‭ ‬شخص‭ ‬بجهده‭ ‬ونزاهته،‭ ‬يفضح‭ ‬من‭ ‬اعتادوا‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬السهلة،‭ ‬والمكاسب‭ ‬المجانية،‭ ‬والتملق‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحهم‭. ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الكراهية،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬الناجح‭ ‬أخطأ،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يذكّرهم‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬ينجزوه،‭ ‬وبما‭ ‬كان‭ ‬يمكنهم‭ ‬تحقيقه‭ ‬لو‭ ‬بذلوا‭ ‬الجهد‭ ‬نفسه‭. ‬يقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬أرتور‭ ‬شوبنهاور‭: ‬“الحسد‭ ‬هو‭ ‬اعتراف‭ ‬ضمني‭ ‬بالتفوق”‭.. ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬تفسر‭ ‬جانبًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الظاهرة؛‭ ‬فالشخص‭ ‬الناجح‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تقصير‭ ‬الآخرين،‭ ‬ويعري‭ ‬الفاشلين،‭ ‬والكسولين،‭ ‬والمتخاذلين،‭ ‬والمتملقين،‭ ‬بعمله‭ ‬الدؤوب‭ ‬وأخلاقه‭ ‬الرفيعة‭. ‬والخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬الناجح‭ ‬أنه‭ ‬يقدم‭ ‬نموذجًا‭ ‬شريفًا‭ ‬ونزيهًا،‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬اعتاد‭ ‬بعض‭ ‬أفراده‭ ‬على‭ ‬جني‭ ‬المكاسب‭ ‬بالمجان‭ ‬أو‭ ‬بأقل‭ ‬جهد‭ ‬ممكن‭.‬

النجاح‭ ‬أيضًا‭ ‬يهدد‭ ‬مصالح‭ ‬غير‭ ‬المستحقين؛‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬بنى‭ ‬مكانته‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وعلى‭ ‬المجاملات‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الإنجاز‭. ‬حين‭ ‬يظهر‭ ‬شخص‭ ‬ناجح‭ ‬بجهده،‭ ‬يصبح‭ ‬وجوده‭ ‬خطرًا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الهشة،‭ ‬لأنه‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬التملق،‭ ‬والإبداع‭ ‬لا‭ ‬التكرار‭. ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬النجاح‭ ‬يثير‭ ‬شعورًا‭ ‬بالذنب‭ ‬لدى‭ ‬من‭ ‬أهملوا‭ ‬فرصهم؛‭ ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يحفزهم،‭ ‬يختارون‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬الناجح‭ ‬لتبرير‭ ‬تقاعسهم‭. ‬كما‭ ‬قالت‭ ‬الإعلامية‭ ‬الأميركية‭ ‬أوبرا‭ ‬وينفري‭: ‬“النجاح‭ ‬يكشف‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يكتفي‭ ‬بالأعذار”،‭ ‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬مرة‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬كثيرون‭ ‬مواجهتها‭. ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬الناجح‭ ‬يكون‭ ‬دائمًا‭ ‬عرضة‭ ‬لتصيد‭ ‬الأخطاء‭ ‬وتضخيمها؛‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يترقب‭ ‬وينتظر‭ ‬بصبر‭ ‬كبير‭ ‬لحظة‭ ‬سقوطه،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الهفوة‭ ‬صغيرة،‭ ‬ليحولها‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬كبرى‭. ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬دفينة‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬الصورة‭ ‬المشرقة‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬الناجح‭ ‬بجهده،‭ ‬لأن‭ ‬سقوطه‭ ‬يمنحهم‭ ‬شعورًا‭ ‬زائفًا‭ ‬بالانتصار‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الفليسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬ألبير‭ ‬كامو‭: ‬“النجاح‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬أمام‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬رغم‭ ‬الناس”‭.‬ ‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني