ثقافة التكريم.. حين يُصان العطاء وتُبنى القيم

| خالد عبدالله المرباطي

تشكل‭ ‬ثقافة‭ ‬التكريم‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬الواعية،‭ ‬إذ‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تقدير‭ ‬الجهود‭ ‬المخلصة،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالعطاء‭ ‬الفكري‭ ‬والإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬الأوطان‭ ‬واستدامة‭ ‬منجزاتها‭. ‬فالتكريم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬لفتة‭ ‬رمزية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬مجتمعية‭ ‬عميقة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الجاد،‭ ‬والفكر‭ ‬المستنير،‭ ‬والإسهام‭ ‬الصادق‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬أثره،‭ ‬بل‭ ‬يُخلَّد‭ ‬ويُحتفى‭ ‬به‭.‬

وفي‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تتجذر‭ ‬فيها‭ ‬ثقافة‭ ‬التكريم،‭ ‬تنمو‭ ‬قيم‭ ‬الانتماء‭ ‬والمسؤولية،‭ ‬ويشعر‭ ‬الأفراد‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يقدمونه‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬وجهد‭ ‬وإبداع‭ ‬محل‭ ‬تقدير‭ ‬واعتزاز‭. ‬كما‭ ‬يسهم‭ ‬التكريم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القدوة،‭ ‬إذ‭ ‬يسلّط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬النماذج‭ ‬المضيئة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للأجيال‭ ‬الناشئة‭ ‬أن‭ ‬تستلهم‭ ‬منها‭ ‬طريقها‭ ‬نحو‭ ‬العطاء‭ ‬والبناء‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬التكريم‭ ‬أداة‭ ‬تربوية‭ ‬وثقافية‭ ‬تعزز‭ ‬مكانة‭ ‬العلم‭ ‬والفكر،‭ ‬وترسخ‭ ‬احترام‭ ‬العقل‭ ‬والمعرفة‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬ثقافة‭ ‬التكريم‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬المكرَّمين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره،‭ ‬إذ‭ ‬يعكس‭ ‬وعي‭ ‬القيادة‭ ‬بقيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التاريخ‭. ‬فحين‭ ‬تُكرَّم‭ ‬العقول،‭ ‬تُصان‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويُحفظ‭ ‬الإرث‭ ‬الفكري‭ ‬بوصفه‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬الوطن‭ ‬ومسيرته‭ ‬الحضارية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يأتي‭ ‬تكريم‭ ‬المفكر‭ ‬البحريني‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬جابر‭ ‬الأنصاري‭ ‬نموذجًا‭ ‬رفيعًا‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافة‭ ‬الأصيلة،‭ ‬وتجسيدًا‭ ‬عمليًا‭ ‬لحرص‭ ‬القيادة‭ ‬الحكيمة‭ ‬على‭ ‬الاحتفاء‭ ‬برموز‭ ‬الفكر‭ ‬الوطني‭. ‬فالدكتور‭ ‬الأنصاري‭ ‬يمثل‭ ‬قامة‭ ‬فكرية‭ ‬وثقافية‭ ‬أسهمت‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬البحريني‭ ‬والعربي،‭ ‬وطرح‭ ‬قضايا‭ ‬جوهرية‭ ‬تتصل‭ ‬بالهوية‭ ‬والنهضة‭ ‬والوعي‭ ‬العربي‭. ‬ويبعث‭ ‬تخليد‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬صرح‭ ‬تعليمي‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬لا‭ ‬يُنسى،‭ ‬وأن‭ ‬العطاء‭ ‬الثقافي‭ ‬يحظى‭ ‬بالتقدير‭ ‬الذي‭ ‬يليق‭ ‬به‭. 

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المقام،‭ ‬نتقدم‭ ‬بخالص‭ ‬الشكر‭ ‬وعظيم‭ ‬التقدير‭ ‬إلى‭ ‬مقام‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬اللفتة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬سمو‭ ‬الرؤية‭ ‬وعمق‭ ‬الإيمان‭ ‬بقيمة‭ ‬الفكر‭ ‬وأهله‭. ‬فهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الكريمة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬يضع‭ ‬تكريم‭ ‬العقول‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬اهتمامه،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الوفاء‭ ‬لرموز‭ ‬الفكر‭ ‬نهجًا‭ ‬راسخًا‭ ‬يعزز‭ ‬مكانة‭ ‬البحرين‭ ‬الثقافية‭ ‬والحضارية‭.‬

إن‭ ‬تكريم‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬جابر‭ ‬الأنصاري‭ ‬لا‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬تقدير‭ ‬لشخصه‭ ‬ومسيرته‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يشكل‭ ‬رسالة‭ ‬ملهمة‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬مفكريها،‭ ‬وتخلد‭ ‬أسماءهم،‭ ‬هي‭ ‬مجتمعات‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬النهضة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬العقل،‭ ‬وأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والتعليم‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الأسمى‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬واستدامة‭.‬

 

مدير‭ ‬أول‭ ‬سابق‭ ‬بغرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين