عندما تتكلم الأرقام في إندونيسيا

| عبدالله بوقس

لا‭ ‬تأتي‭ ‬الأرقام‭ ‬في‭ ‬إندونيسيا‭ ‬على‭ ‬استحياء،‭ ‬بل‭ ‬بلغة‭ ‬واضحة‭ ‬تكشف‭ ‬مسارًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الخبر‭. ‬فإعلان‭ ‬بلوغ‭ ‬الاستثمارات‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الربع‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬نحو‭ ‬1‭,‬400‭ ‬تريليون‭ ‬روبية‭ ‬إندونيسية،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬90‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬كرقم‭ ‬احتفالي،‭ ‬بل‭ ‬كإشارة‭ ‬طريق‭ ‬لدولة‭ ‬كبرى‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬الإنتاجية‭. ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديدًا‭ ‬يبدأ‭ ‬سؤال‭ ‬القارئ‭ ‬الخليجي‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬عندما‭ ‬تغادر‭ ‬جاكرتا‭ ‬وتدخل‭ ‬فضاء‭ ‬المصالح‭ ‬الإقليمية‭.‬

وتزداد‭ ‬دلالة‭ ‬الرقم‭ ‬حين‭ ‬نعلم‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬قرابة‭ ‬74‭ % ‬من‭ ‬الهدف‭ ‬السنوي‭ ‬البالغ‭ ‬نحو‭ ‬1‭,‬905‭.‬6‭ ‬تريليون‭ ‬روبية،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬قرابة‭ ‬123‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬عن‭ ‬تعهدات‭ ‬أو‭ ‬نوايا،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬استثمارات‭ ‬دخلت‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديدًا‭ ‬تتكلم‭ ‬الأرقام‭ ‬عن‭ ‬اقتصاد‭ ‬يراكم‭ ‬مصانع‭ ‬وبنى‭ ‬تشغيلية‭ ‬وأصولًا‭ ‬حقيقية،‭ ‬لا‭ ‬ملفات‭ ‬مؤجلة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يكشف‭ ‬الربع‭ ‬الثالث‭ ‬وحده‭ ‬عن‭ ‬استثمارات‭ ‬تقارب‭ ‬491‭.‬4‭ ‬تريليون‭ ‬روبية،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬31‭.‬8‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بنمو‭ ‬سنوي‭ ‬يقارب‭ ‬14‭ %. ‬والقطاعات‭ ‬المحركة‭ ‬لهذا‭ ‬النمو‭ ‬تشمل‭ ‬المعادن‭ ‬الأساسية‭ ‬والتعدين‭ ‬والنقل‭ ‬والاتصالات‭. ‬وهي‭ ‬قطاعات‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السريع،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬تصدير‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬يصنع‭ ‬القيمة‭ ‬ويعيد‭ ‬تدويرها‭ ‬صناعيًا‭.‬

أما‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فيظهر‭ ‬حين‭ ‬ترتبط‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بسوق‭ ‬العمل‭. ‬فقد‭ ‬وفرت،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬هيئة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الإندونيسية،‭ ‬ما‭ ‬يقارب1‭.‬95‭ ‬مليون‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬التسعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2025‭. ‬هنا‭ ‬تتحول‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬استقرار‭ ‬اجتماعي،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬الاستثمار‭ ‬جسرًا‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬المعيشية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مؤشر‭ ‬مالي‭ ‬جامد‭.‬

يتضح‭ ‬البعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬إندونيسيا‭ ‬عندما‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ % ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬نُفذت‭ ‬خارج‭ ‬جزيرة‭ ‬جاوة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬جاوة‭ ‬تضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬البلاد‭ ‬وتعد‭ ‬مركز‭ ‬الاقتصاد‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬سياسة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬والكلفة،‭ ‬ونقل‭ ‬المشاريع‭ ‬بمحاذاة‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬والمعادن‭ ‬والموانئ،‭ ‬فاتحًا‭ ‬أمام‭ ‬الخليج‭ ‬شراكات‭ ‬مبكرة‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬صاعدة‭ ‬أقل‭ ‬ازدحامًا‭ ‬وأطول‭ ‬أفقًا‭ ‬للنمو‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر،‭ ‬تحافظ‭ ‬إندونيسيا‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق،‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬نحو‭ ‬45‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الإجمالي،‭ ‬مع‭ ‬حضور‭ ‬بارز‭ ‬لسنغافورة‭ ‬والصين‭ ‬وماليزيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬يعكس‭ ‬بيئة‭ ‬ترحب‭ ‬برأس‭ ‬المال‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ترتهن‭ ‬له،‭ ‬وهي‭ ‬معادلة‭ ‬نادرة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصاعدة‭.‬

وعودًا‭ ‬على‭ ‬البدء،‭ ‬تعود‭ ‬الأرقام‭ ‬لتتكلم‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬إندونيسيا‭ ‬تنمو‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬النمو‭ ‬ذاته،‭ ‬نمو‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭ ‬الجغرافي‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭. ‬ومن‭ ‬يقرأ‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬بإنصات،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬إندونيسيا‭ ‬ليست‭ ‬سوقًا‭ ‬بعيدة،‭ ‬بل‭ ‬شراكة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬يفهم‭ ‬لغتها‭ ‬حين‭ ‬تتكلم‭ ‬الأرقام‭.‬  

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور