الإنسان المعاصر بين العيش في الفنادق الفاخرة والنوم في مقابر الوحدة

| سيد ضياء الموسوي

لا أجد من خلال معاييري التي طرحتها للإنسان السعيد، سعادة مكتملة في العالم، ولا أجد حتى دولا قيمت بأعلى درجات السعادة أنها سعيدة فعلا رغم وفرة المال، والبنى التحتية الحديثة والعالم الحداثوي الذي تمتاز به ومستوى دخل الفرد المرتفع. السعادة كما هي للإنسان الفرد عبارة عن”بكج” متكامل لغرف ست من فندق السعادة كذلك الشعوب. فلا يمكن لشعوب تمتاز بوفرة مالية ضخمة سعيدة، وهي بذات الوقت فاقدة لغرفة الروح او غرفة الحب او الغرفة الاجتماعية إلخ. فمشكلة التقارير التي تطرح عن الشعوب السعيدة تركز على غرفة أو غرفتين في تقييم سعادة هذه الشعوب، وهذا خطأ كارثي خال من فهم سيكولوجية النفس البشرية والإبعاد الفلسفية والأخلاقية والجمالية والروحية والاجتماعية للبشر. وهنا أطرح نقدي لهذه التقارير التي أجدها ناقصة في معرفة مفهوم السعادة الأكمل.  

الثغرات الجوهرية في تقارير السعادة: 1. التركيز على الماديات والمؤشرات الاقتصادية. فمعظم مؤشرات التقرير تتحدث عن: (الناتج المحلي للفرد، مستوى الرفاه المادي، شبكة الأمان الاجتماعي، الخدمات الصحية، متوسط العمر) فهي تعكس رفاهية العيش لا رفاهية النفس. -كأن التقرير يقول: “إذا كانت لديك أموال وتأمين صحي وبيت دافئ فأنت سعيد”؛ بينما قد يكون الإنسان مكتئبًا رغم كل ذلك. هذا لا يعني عدم أهمية هذه الأمور، فهي عظيمة ولا دروشة في ذلك ،وتعطي نسبة من السعادة لكن تبقى الحياة بحاجة الى تكملة لبقية الغرف، فالروح والنفس والصحة والمودة الاجتماعية والثقافة المنفتحة انسانيا وحضارياً لا يغطيها المال ولا البنية التحتية ولا التامين الصحي. فالنفس بحاجة إلى أمان مالي وأيضا إلى أمان نفسي. الإنسان بحاجة إلى منطقة آمنة وقلبه بحاجه إلى حب آمن ومجتمع آمن وثقافة غير متطرفة آمنة. وهذا يقودني إلى منطقة يسميها المطمئنون من البشر”الصحوة الروحية” وهي الدرجة التي وصل إليها أمثال بوذا والإمام علي ومانديلا وتريزا وهاوكينز الخ، وإن تفاوتوا في درجة الصحوة، فذروة الكمال الإنساني أن تصل لمرحلة من الإشراق والتنوير أن تصل لدرجة الوصول المطلق للسكون مع القلق الوجودي، كما يقول الإمام علي في توصيف نفسه: ”أنا ما فوق المخلوق، وما دون الخالق” وقوله ”لو انكشف لي الغطاء ما أزدت يقينا”.

ومن أخطاء التقاريرالدولية في السعادة: 2. إغفال المعاناة الوجودية. - التقرير لا يقيس الفراغ الداخلي، القلق الوجودي، أزمة المعنى. -في مجتمعات مثل السويد أو فنلندا، ورغم تصدرها قائمة السعادة، معدلات الانتحار والاكتئاب ليست بالضرورة منخفضة. هنا نرى التناقض: أرقام السعادة عالية، لكن الأرواح في صراع صامت. 3. غياب البُعد الروحي - القيمي -لا توجد أي خانة تسأل: هل تشعر بالسلام الداخلي؟ هل لك علاقة رحيمة بذاتك أو بالآخرين؟ التركيز على المال والصحة والحرية فقط، يجعل الإنسان مجرد مستهلك، لا كائن يبحث عن معنى أو حب أو انتماء. تكدس المال لا يعني انتهاء الوجع. ولا غياب الحزن، ولا تشافي الصدمات. هو مال فقط وفقط، مفاتيح للحياة، ولبعض تعقيداتها لكنه ليس مفتاحا لغلق باب الحزن وفتح باب الراحة النفسية الكاملة، والا لماذا كان قامة كبرى مثل كافكا يعاني اكتئابا وهو في حياة جميلة؟ مارين مونرو؛ الأميرة ديانا، مايكل جاكسون، تشايكوفسكي، الشاعر رامبو؛ فرويد، نيتشه، كلهم يعانون رغم حياتهم المادية بين التضخم والوسطية. لماذا مثل الملياردير إيلون ماسك لا يشعر بالرفاهية النفسية، والسعادة الكبرى وهو أغنى رجل في العالم؟ لأن السعادة وفرة ثقافية، ورفاهية نفسية، ويقظة روحية، وفائض حب، ونعمة صحية، وتشبع مجتمعي، وامتلاء مالي يغنيك عن حاجة البشر، ويفتح لك أبواب السعادة، وامتلاء داخلي، وتصالح مع الذات ومع العالم؛ كل ذلك يقود لتوازن وجودي خال من الامراض خصوصا النفسية. إلى الآن الشعوب الأوربية تعاني من أعراض الحرب العالمية الأولى والثانية ولو جينيا، فالحروب تنتهي وتبدأ سلسلة الاضطرابات من اكتئاب أو اضطراب الشخصية الحَدية أو ثنائي القطب أو اضطراب ما بعد الكرب أو اضطراب نتيجة الصدمة المعقدة، وكل هذه الاضطرابات خصوصا إذا أصبحت أشبه باضطراب وطني عام لا يعالجها المال، فالنفس تسقط هنا في خوف وذعر من الإنسان كإنسان، ومن أن الوجود غير آمن، وقد تقودهم إلى عبثية الحياة وسقوط المعنى للعيش فيها.

ومن ضمن ثغرات التقارير: 4. قياس “الرضا عن الحياة” بلغة السوق -المؤشر يعتمد على سؤال: “على مقياس من 0 إلى 10، ما مدى رضاك عن حياتك؟”. -هذا سؤال يميل إلى العقلانية والقياس المقارن، بينما السعادة شعور لحظي - تدفق وجداني لا يخضع دائمًا للقياس. 5. تجاهل “الألم النفسي المستتر” -لا يوجد في المؤشر مكان لقياس الاغتراب، الإدمان، الوحدة العاطفية، اضطرابات القلق. لذلك ترى مجتمعات غنية متقدمة (كالولايات المتحدة أو اليابان) متدنية الترتيب، لأن الرفاه المادي لا يترجم مباشرة إلى شعور بالرضا النفسي. تقارير السعادة تُشبه مرآة مصقولة، لكنها لا تعكس الروح. هي جيدة لرسم ملامح “الرفاه الاجتماعي”، لكنها تضلّل حين تُترجم إلى “البشرية سعيدة”. فالسعادة في حقيقتها ليست أرقامًا اقتصادية، بل حالة وعي تتأرجح بين الحب، الانتماء، المعنى، والسكينة الداخلية - وكلها عناصر يغفلها المؤشر. هنا نعرض دول رفاهية من العالم ونضع معيار غرف فندق السعادة الست لنقيم هذه الدول هل هي فعلا مكتملة السعادة؟ أ. أوروبا الشمالية /‏ الدول الإسكندنافية. -سمات: تمتاز بشبكات رفاهية قوية، ثقة حكومية عالية، خدمات صحية واجتماعية متاحة تقوّي غرف المال، الجسد، والمجتمع. ترتيبات العمل - حياة أفضل غرفة الحب والطمأنينة أعلى بنسبة جيدة وليست ممتازة. -تأثير على الوعي: تميل إلى درجات أعلى من الطمأنينة والرفاه الاجتماعي (تظهر في مؤشرات السعادة العالمية). لكن تبقى نقاط ضعف واضحة: -عزلة فردية، -الفراغ الوجودي عند البعض رغم الرفاهية -تحتاج تعزيز غرفة الروح/‏المعنى. ب. أوروبا الغربية والكبرى -سمات: بنى مدنية وسياسات متقدمة لكنها تفاوتات اقتصادية، مشاكل صحة ذهنية مَحلية (شباب)، تراجع الثقة لدى بعض الفئات. -توصية: الحفاظ على شبكات الأمان مع مبادرات معنى (فرانكل/‏لوغوثيرابي) لردم الفراغ الوجودي. الفراغ الوجودي تعتبر احدى ازمات الانسان المعاصر . هناك فراغ وازمة في فهم الوجود و ضياع في الاستقرار الداخلي . ج. آسيا (اليابان نموذجا) -سمات: ازدهار مادي وتقنية، معضلات اجتماعية: ضغط عمل شديد، عزلة اجتماعية، ركود النسل، معدلات انتحار ملحوظة تاريخيًا (قضايا مركبة تفاقمت بعد الجائحة). إحصائيا عدد حالات الانتحار ما زال قضية في اليابان ويستدعي سياسات مستهدفة. -التحليل عبر الغرف: غرف المال والجسد المادية قوية؛ غرفة المجتمع والحنان والروحية قد تكون متأثرة بعادات العمل والتقاليد التي تفضّل الصمت والتحمّل، ما يترك فجوة في غرفة الحب والروحيّة - يؤدي لقِطَع معنى. -ماذا يفعلون لتقليل الانتحار؟ سياسات العمل (تقليل ساعات العمل ورفع معايير لتراتبية القيمة فيبدأون بقيمة الروح اولا ثم قيمة القيم الانسانية ثم قيمة العمل وليس العكس )، شبكات الدعم النفسي، حملات كسر وصمة العار، تعزيز المجتمعات المحلية والدينية ومبادرات المعنى. هناك دراسات تقترح برامج تدخل مستندة إلى الصحة العامة والمعنى. لقد زرت اليابان ووجدتها من أجمل وأنظف مدن العالم، ويمتاز اليابانيون بخلق واحترام كبير مع السائح لكن كل ذلك لا يكفي . فالياباني يعاني من ألم نفسي يتمثل في “متلازمة الاحتراق الوظيفي) والضعف الاجتماعي وتضخم مرعب يتمثل في أن معيار النجاح الأكبر في العمل المتميز بغض النظر عن بقايا القيم مع غياب حاد للبحث عن معنى للحياة والوجود.

د. أزمة ثنائية الحداثة والأصالة في وعي الشاب الخليجي: -سمات: تفاوتات داخلية كبيرة: دخل فردي مرتفع تُعطي غرفة المال درجة عالية، وغرفة الثقافة ادى الشاب مؤطرة في الاغلب بقيم ومعايير دينية على اي اخر وفق معيار ديني الا بعض الاماكن والمواقع من المكان والزمان والتفكير للشاب المتوازن بين الدين والحداثة ، والمجتمع متماسك تقليديًا لكن الشباب يواجه ضغط التحديث والهويات. غرف الروح قوية تقليديا (دين) لكن التوتر بين قيم تقليدية وحداثة مادية يخلق “امتلاء فارغ” لدى شباب متعلم. وهذا من شأنه أن يوقع الفرد في الشوزفرينية والانفصام الثقافي المتوتر في بنية نفسية مشوهة وحائرة بين الحداثة الصارخة والاصالة الملتبسة ؛والحل يكمن في التوازن الروحي والحداثوي و العيش في الحداثة مع تماسك الجذور بشكل يعمق الجذور لا لتشده للقبور بقدر ما تقوده للعبور نحو حداثة جاذبة بملامح أصالة ناعمة. - نقاط خطر: ارتفاع توقعات المعيشة مع محدودية مع ضعف الانفتاح الثقافي لدى الشاب، بحيث يوفر خللاً بين الوفرة المادية والمعنى؛ هذا قد يضع المجتمعات عند “نبرة وعي” ليست أعلى بالضرورة، لأن المعنى لا يُشترى دائمًا بالمال. 3) أين نقف على مقياس هاوكينز (تأويل تشخيصي، ليس قياسًا علميًا) -استخدمته هنا كمجاز: دول الشمال الأوروبي تميل إلى نبرات “الفرح/‏الشكر/‏الثقة” لأن مؤسساتها تحمي المواطنين وتوفر الأمان. دول صناعية شرقية (اليابان، كوريا الجنوبية) قد تكون على تردّدات “الإنجاز/‏الغرور/‏الخوف” مزيجًا - إنجاز مادّي مرفق بضغط يؤدي إلى مستويات قلق وأعراض يأس لدى شرائح. -مناطق الخليج: تذبذب بين “الطموح/‏الانشغال بالمادة/‏الفخر” ووجود طاقات روحية قوية عند البعض - لذا موقِعها على طيف الوعي مختلط. -دول عربية أخرى: تباين كبير؛ بعض الدول تعاني من “الخوف/‏الغضب/‏اليأس” بسبب صراعات وسياسات اقتصادية، بينما مجتمعات مدنية معيّنة تميل إلى “الشجاعة/‏الوعي”. (مصدر عام: WHR وتقارير التنمية). بعد كل ذلك خلصت الى ذات النتيجة، السعادة تقاس بتوفر غرف فندق السعادة الست في إيقاع واحد وفي سياق وجودي واحد. كل عام تُصدر الأمم المتحدة تقاريرها عن “أسعد شعوب الأرض”، فتتصدر دول الشمال الأوروبي القوائم: فنلندا، الدنمارك، السويد. تُعرض النتائج كأنها حقائق نهائية: هذه الأمم سعيدة، وتلك أقل حظًّا في النعيم. لكن، حين نقترب من الواقع النفسي-الوجودي، نجد أن هذه “السعادة” أشبه بالطلاء الخارجي الذي يخفي شقوق الجدران.. المؤشر يعتمد أساسًا على الماديات: دخل الفرد، مستوى الخدمات الصحية، التعليم، شبكة الأمان الاجتماعي، الحرية السياسية. لا شك أن هذه عناصر مهمة، لكنها لا تقيس جوع الروح، ولا تقترب من سؤال الإنسان العميق: هل أنا حقًا بخير؟ كيف يمكن أن تُصنّف فنلندا “أسعد بلد” بينما تسجّل معدلات انتحار مرتفعة نسبيًا؟ كيف نصف السويد “جنة رفاه” بينما شبابها يغرقون في العزلة والاكتئاب؟ التناقض يكشف أن المؤشر لا يلتقط المعاناة الداخلية: القلق الوجودي، الشعور بالوحدة، الفراغ العاطفي، انهيار الروابط الاجتماعية. التقرير يقيس “الرضا عن الحياة” بأدوات عقلانية، كأن السعادة عملية حسابية. لكنه يغفل أن السعادة حالة وعي متقلبة، تنبض بين الحب والانتماء والمعنى، وليست دائمًا انعكاسًا لدخل أو تأمين صحي. باختصار: تقارير السعادة العالمية ترسم صورة وردية، لكنها تخدعنا بالسطح. فهي تساوي بين “الرفاه المادي” و “السلام الداخلي”، وتترك القارئ يظن أن الجنة صارت ممكنة بمجرد ارتفاع الدخل. بينما الحقيقة أن البشر قد يعيشون في رفاهية، لكنهم ينامون على أسرّة القلق والاغتراب. السعادة لا تُقاس بالدولار ولا بالمتوسطات الحسابية. السعادة تُقاس بقدرة الإنسان على أن يجد نفسه، أن يحب دون خوف، أن يعيش معنى لا يختنق في زحام الاستهلاك. كل ما عدا ذلك سعادة على الورق، وشقاء في الروح. هي أن لا ترتجف روحك في الليل من وحشة الفراغ، أن لا تنام في عاجية محاطة بكل الرفاهيات لكنك تبكي كطفل يتيم. إنه حيلة أيديولوجية لتخدير البشر: “اصمتوا أنتم سعداء بالأرقام”. لكن الأرواح لا تُخدع بالجدول. النفوس لا تبتسم بمجرد أن ترى مؤشر الناتج المحلي. أن الإنسان المعاصر يعيش تراجيديا كونية: جسده يعيش في فنادق فاخرة، وروحه تنام في مقابر الوحدة.